الأربعاء , نوفمبر 20 2019

(المكالمة): قصة رعب قصيرة.. محمد الناغي

كتب: محمد الناغي.

اضجعت ريهام على شِقها الأيمن مسترخية، فيما أسبلت جفنيها في سكون لذيذ، تاركة صوت خطيبها الرزين ينساب رفيقًا عبر سماعة الهاتف.

«لماذا تتكلم الآن؟ من المفترض أن تتركني أتجهز للقائك؟». سألت ريهام مُشاكسة.

رد خطيبها سالم في حنان:

– لم أقو الانتظار لميعاد لِقائنا، اشتقت لسماع صوتك.

 لم تقو علي انتظار فقط ثلاثون دقيقة!

ساد صمت قصير قبل أن يُجيب:

– إنني أراه بعيدًا.

خفق قلبها سرورًا، فتبسمت قائلة:

– حسنًا، أين ستأخذني للتنزة الليلة؟

تنهد سالم:

«الآن تحديدًا لم يعُد لي القرار..». ثم رق صوته: «أين تودين الذهاب..؟»  ث

اعتدلت ريهام في حماسة:

-س أود الذهاب إلى السينما، ثمة فيلم مرعب حبس أنفاس صديقاتي، أتوق لرؤيته.

تساءل سالم:

– كنت أظنك تخافين مِثل هذه الأشياء.

– ولا يهمني!

– لا يهمك ظلام السينما.

– ولا يهمني!

– ولا المؤثرات الصوتية المرعبة.

– مطلقا.

ثم استدركت هامسة:

– ثم كيف أخاف وأنت بجانبي.1

صمت سالم برهة قبل أن يهمس:

– أنا أحق الناس أن تخشيه، خاصة وان لدي ولع مباغت بإخافتك.

فار العناد داخل رأس ريهام فهتفت مُحتجة:

– أخشى أن تفشل في مُبتغاك؛ فأنا أشجع منك!

تناهى إلى مسامعها أصوات صاخبة عبر شرفة غرفتها المُغلقة، التي تطل على الشارع العمومي، إلا أنها لم تلق لها بالًا، فتابعت مُحتجة:

– بل وأستطيع إخافتك أيضًا متى أردت.

همس سالم:

– وأهون عليكِ.

قطبت بحاجبيها:

– ما دمت قد هُنت عليك.

«لم، ولن تهوني علىّ قط».

ساد صمت قصير عادت فيه خفقات قلبها لمعدلهِ الطبيعي, إلا أنه عاجلها بغتة بلهجة غامضة: – حسنًا، هلا نظرتِ إلى سلك الهاتف لترين إن كان متصلًا بالحائط؛ أم لا؟

اندهشت الفتاة فتساءلت شبه مستنكرة:

– وإن كان كذلك؛ فكيف أهاتفك إذن؟!

رد بنفس الهدوء العميق:

– فقط انظري.. أرجوكِ ، فإن كان غير موصولًا، فمن تـُرى يُهاتفكِ إذن؟

تجاوت خطيبته هذه النقطة بمزيج من الانزعاج والنفور؛ بعد أن ظنت أنه يُحاول- بسذاجة- إخافتها.

عادت الأصوات الصاخبة الآتية من الشارع للارتفاع بشكل أثار تساؤلاتها، ولكن ليس للدرجة التي من أجلها تترك المكالمة. في الواقع هي كانت تنتقي ثيابها حينما سمعت صوت ارتطام ما أعقبهُ صياح وصخب، وما أن أغلقت دولابها للتبين الأمر حتى رن جرس الهاتف؛ فتراجعت لتجيب، وكان خطيبها.

«هييه! .. أين ذهبتِ؟»، تساءل سالم قـلِقا.

«لا شيء، فقط شردت للحظات في الضوضاء الخارجية»، أجابت معتذرة.

صمت سالم طويلًا، قبل أن يهتف في بطء:

– أظن أن آن آوان المُغادرة.

اندهشت للهجة خًطيبها الغريبة، فتساءلت في حذر:

– سالم، ما بك.

بدا لها صوته حزينا كأنه قادم من أعماق سحيقة:

– لا شيء، فقط اعتني بنفسك.. من أجلي.

وأردف:

– إلى لِقاء..

ثم بصوت خافت:

– بعيد…

وانغلق الخط.

بدت ريهام كتمثال من الشمع للحظات قبل أن تسمع صوت سارينة إسعاف تقترب، فانتزعت نفسها من شرودها وهبت تفتح الشرفة لتتبين الأمر.

ولفح وجهها موجة هواء باردة..

ومن شرفتها بالطابق الثالث ضاقت حدقتاها مُستكشِفة..

 كان ثمة حادث تصادم وجثة مُلقاة على جانب الطريق، تجمهر حولها الناس، فيما سيارة إسعاف تشق طريقها بينهم بصعوبة بالغة..

كان صوت السارينة مرتفعا مريعا..

شعرت بالإشفاق تجاه الجثة المضرجة في دمائها.. كان واضحا من أوراق الصحف التي تغطي الوجه أن المِسكين قد قضى نحبه..

شاهدت رجال الإسعاف أخيرا ينقلون الجثة إلى السيارة، تطايرت أثناء ذلك أوراق الصحف التي تُغطي وجه الجثة..

وانطبع الوجه فوق حدقتيها، وانطلق شيء ما داخل عقلها كدوي صفارات الانذار..

قبل أن ترتد للخلف فجأة كالمصعوقة غير مُصدقة..

ثم مالت للأمام لترى بأفضل ما يمكن؛ وقد تجمد عقلها..

وتفجرت حمم ساخنة من مقلتيها..

إذ كانت الجثة المضرجة في دمائها، لآخر شخص قد يخطر ببالها..

قد كانت لخطيبها..

خطيبها سالم!

ارتعدت في شدة وتساؤل متدفق ملتهب يلتهم عقلها؛(من ذاك إذن الذي كان يُهاتفني قبل لحظات؟!)..

وبرقت بذهنها بغتة عبارة ما..

فانطلقت كالمجذوبة تتفقد سلك الهاتف، قبل أن تتراجع في هلع كاد يعصف بالبقية الباقية من عقلها..

فقد كان السلك غير موصولًا بالحائط..

بالفعل.

 (تمت)

نشرت ضمن المجموعة القصصية (ظلال الإثم).

تحولت -لاحقًا- إلى فيلم قصير، من إخراج (معتز الدهشان).

عن لأبعد مدى