فلكلور الرعب العربي: (10) التنبؤ بالغيب جـ 2

في هذا المقال بمشيئة الله سنتناول بعض قصص الكهان ونبوءاتهم وسأكتفي في المقال بثلاث قصص.

• القصة الأولى: هند بنت عتبة والكاهن اليماني •

كانت هند بنت عتبة متزوجة من رجل يقال له الفاكه بن المغيرة وكان له في بيته مضافة خارج الدار يغشاها المحتاجون والمسافرون فيكرمهم فيها، وذات يوم دخلت هند المضافة لترتيبها والنظر فيما ينقصها فاضطجعت قليلا فنامت، فدخل المضافة رجل يبغي الضيافة فلما رأى هند نائمة خرج بسرعة مفزوعًا.

فرأه الفاكه فدخل المضافة فوجد هندًا نائمة فضربها برجله. وقال:

– من هذا الذي خرج من عندك؟

فقالت أنها لم تر أحدًا، فزجرها الفاكه وقال لها الحقي بأهلك.

واشتهر الأمر على ألسنة الناس وراحوا يخوضون في سمعتها، فجائها أبوها وقال لها:

– أي بنية، أصدقيني القول، فإن كان الرجل صادقا دسست عليه من يقتله حتى ينقطع الكلام، وإن يك كاذبًا حاكمته إلى أحد كهان اليمن!

فقالت:

– لا والله ما هو علي بصادق.

فخرج عتبة إلى الفاكه وقال له أنه يتحدث في عرض ابنته وطلب مخاصمته أمام كاهنًا عالمًا من كهان اليمن، فقبل الفاكه. وخرج في جماعة من بني مخزوم وخرج عتبة وهند في جماعة من بني عبد مناف حتى اشرفوا على الكاهن، فرأى عتبة في وجه ابنته تغيرًا، فسألها عن ذلك، فقالت له:

– يا أبتِ، إننا قادمون على بشر يخطئ ويصيب وأخاف أن يسمني بسيما تكون علي سبة أبد الدهر.

فقال لها:

– لا تخشي فسوف أختبره.

ثم أتى حصانه فصفر له ليبول فأدلى إحليله فوضع فيه حبة قمح وربط عليها، وعندما جاءوا إلى الكاهن أكرمهم، ثم قال له عتبة:

– لقد خبئت لك خبيئة.

فقال الكاهن:

– خبأت ثمرة في كمرة.

فقال عتبة:

– أوضح أكثر من هذا.

فقال الكاهن:

– حبة بر في إحليل مهر.

فقال عتبة:

– صدقت.

ثم وضع ابنته وسط مجموعة من النساء، ثم قال له:

– انظر في أمر هؤلاء النسوة.

فاقترب الكاهن وكلما مر على امرأة ضرب كتفها وقال لها قومي، حتى أتى إلى هند فقال لها:

– قومي غير رسحاء (قبيحة) ولا زانية، وستلدين ملكًا اسمه معاوية.

فقام إليها الفاكه وأخذ بيدها، فجذبت يدها منه، وقالت:

– إليك عني فإني والله سأحرص أن يكون ذلك من غيرك، ثم تزوجت بعد ذلك من أبي سفيان بن حرب وأنجبت منه معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما والذي أصبح خليفة للمسلمين.

• القصة الثانية: المفاخرة بين هاشم وأمية •

كان هاشم سيد بني عبد مناف وأمية سيد بني عبد شمس ابني عم وكان لهاشم السقاية وقرا الحجيج، فكان يهشم لهم الخبز ويطعمهم الثريد ولهذا لقب هاشمًا.

ثم أراد أميه أن يكون له شرفًا كما لهاشم فطلب منه أن يسقي الناس ويطعمهم عامًا وهاشم عامًا، فقبل بذلك هاشم.

ولكن أميه ما استطاع أن يفعل فعل هاشم فسخر الناس منه وعيروه وقللوا منه وبصنيعه مقابل ما يصنعه هاشم، فامتلأت نفس أمية بالغيظ والحسد على هاشم وطلب المفاخرة والمنافرة ضد هاشم أمام أحد الكهان. على أن يغرم الخاسر 50 ناقة سوداء الحدق وأن يغترب عن مكة 10 سنين.

فقبل هاشم على كره منه وفي طريقهم إلى الكاهن وجدا قدحا من خشب بالي كان يسمى (أطباق جمجمة) فجعلاه في يد رجل من أصحابهم ضخما يدعى ابو همهمة وقالا نختبر بهذه الخبيئة الكاهن الخزاعي.

فلما قدما على الكاهن قالا له:

– إنا قد خبئنا لك خبيئا فأخبرنا به قبل التحاكم.

فقال الكاهن:

– أحلف بالنور والظلمة، وما بتهامة من بهمة، وما بنجدمن أكمة، لقد خبأتم لي أطباق جمجمة، مع الفلندح [الضخم] أبي همهمة.

فقالا:

– صدقت فاحكم بين هشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس أيهما أشرف.

فقال الكاهن:

– والقمر الباهر والكوكب الزاهر والغمام الماطر وما في الجو من طائر وما اهتدى بعلم مسافر لقد سبق هاشم أمية إلى المآثر، ولأمية أواخر.

فغرم أمية الخمسين ناقة فذبحها هاشم وأطعمها الحاضرين وخرج أمية إلى الشام وبقي هناك 10 سنين وهذه كانت أول العداوة بين بني هاشم وبني أمية.

والمنافرات والمفاخرات لدى الكهان أكثر من أن تحصى عدد وقد حفظت لنا كتب التواريخ عددًا كبيرًا من هذه المفاخرات كمفاخرة عائذ بن عبد الله بن مخزوم والحارث بن أسد بن عبد العزى، ومفاخرة مالك بن عميله وعميرة بن هاجر الخزاعي وغير ذلك الكثير.

ولكننا نلحظ النسق الثابت في كل قصة (المخاصمة– التحاكم إلى الكاهن– الخبيئة – أخبار الكاهن بالخبيئة– سجع الكاهن– أخباره بالحكم).

نمط ثابت ستجده مكرر دوما في كل القصص وهي دلالة على تواتر الأمر بينهم.

• القصة الثالثة: شق وسطيح وتعبير حلم التبع اليماني •

شق وسطيح اشهر كهان العرب وأكثرهم غرابة شكلا وقدرة، أما شق فهو شق بن الصعب اليشكري.

سُمي شق لأنه كان نصف إنسان، له يد واحدة، ورجل واحدة، وعين واحدة، أما سطيح فهو ربيع بن ربيعة بن مازن الذئبي.

سمي سطيحًا لأنه كان قطعة لحم منبسطة ومسطحة على الأرض لا عظم في جسده الا في رأسه وكانوا يلونه كما يلف الحصير ثم يبسطونه على الأرض وكان وجهه في المنتصف وكان إذا غضب انتفخ حتى يجلس.

يقال أنهما ولدا في يوم واحد وكان يوم وفاة الكاهنة طريفة الخير الحميرية فأتيت بهما فتفلت في أفواههما وتنبأت بأنهما سيرثان علم الكهانة من بعدها.

وبالفعل فكانا أعلم الكهان وأكثرهم صدقا في الأنباء بالغيب وبحوادث المستقبل ولقد اجتمعا مرة في تعبير حلم عجيب ذكره أهل السير مثل ابن اسحق وابن هشام وغيرهما وسنرى فيها كما أسلفنا مثالا بينا على خبيئة الكاهن وسجع الكهان فتدبرها جيدا وهي كالتالي:

كان ربيعة بن نصر ملك اليمن بين أضعاف ملوك التبابعة فرأى رؤيا هالته وفظع بها فلم يدع كاهنًا ولا ساحرًا ولا عائفًا ولا منجمًا من أهل مملكته إلا جمعه إليه فقال لهم:

– إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبروني بها وبتأويلها، فقالوا له: اقصصها علينا نخبرك بتأويلها، قال: إني إن أخبرتكم بها لم أطمئن إلى خبركم عن تأويلها فإنه لا يعرف تأويلها إلا من عرفها قبل أن أخبره بها.

قال له رجل منهم:

– فإن كان الملك يريد هذا فليبعث إلى سَطِيْح وشِقًّ  فإنه ليس أحد أعلم منهما فهما يخبرانه بما سأل عنه، فبعث إليهما فقدم عليه سَطِيْح قبل شِقًّ. فقال له:

– إني قد رأيت رؤيا هالتني وفظعت بها فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها.

قال:

– أفعل، رأيت حُمَمَة ، خرجت من ظلمة، فوقعت بأرض تَهَمَة ، فأكلت منها كل ذات جمجمة.

فقال له الملك:

– ما أخطأت منها شيئًا يا سطيح! فما عندك في تأويلها؟

فقال:

– أحلف بما بين الحرتين من حنش لتهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش.

فقال له الملك:

– وأبيك يا سطيح إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن، أفي زماني هذا أم بعده؟

قال:

– لا بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين.

قال: أفيدوم ذلك من ملكهم أم ينقطع؟

قال:

– لا بل ينقطع لبضع وسبعين من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين.

قال:

– ومن يلي ذلك من قتلهم وإخراجهم؟

قال:

– يليه إرَمُ بن ذي يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن.

قال:

– أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟

قال:

– لا بل ينقطع. قال:

– ومن يقطعه؟

قال:

– نبي زكي، يأتيه الوحي من قِبَل العلي.

قال:

– وممن هذا النبي؟

قال:

– رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر،

قال:

– وهل للدهر من آخر؟

قال:

– نعم، يوم يجمع فيه الأولين والآخرين، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون.

قال:

– أحق ما تخبرني؟

قال:

– نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبأتك به لحقّ.

ثم قدم عليه شِقّ فقال له كقوله لسطيح وكتمه ما قال سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان.

فقال:

– نعم، رأيت حُمَمَة، خرجت من ظلمة، فوقعت بين روضة وأكمة ، فأكلت منها كل ذات نسمة.

قال: فلما قال له ذلك عرف أنهما قد اتفقا، فإن قولهما واحد إلا أن سطيحًا قال: «وقعت بأرض تَهَمَة، فأكلت منها كل ذات جمجمة»، وقال شِقّ: «وقعت بين روضة وأكمة، فأكلت كل ذات نسمة».

فقال الملك: ما أخطأت يا شقّ منها شيئًا فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلف بما بين الحرتين من إنسان، لينزلن أرضكم السودان، فليغلبن على كل طَفْلَة البنان، وليملكن ما بين أبين إلى نجران.

فقال له الملك: وأبيك يا شِقّ إن هذا لنا لغائظ موجع فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟

قال:

– لا بل بعده بزمان، ثم يستنقذكم منه عظيم ذو شأن، ويذيقهم أشد الهوان، قال: ومَنْ هذا العظيم الشأن؟

قال:

– غلام ليس بدنيّ ولا مُدَنّ ، يخرج عليهم من بيت ذي يزن، فلا يترك أحدًا منهم باليمن.

قال:

– أفيدوم سلطانه أم ينقطع؟

قال:

– بل ينقطع برسول مرسل، يأتي بالحق والعدل، بين أهل الدين والفضل، يكون الملك في قومه إلى يوم الفصل.

قال:

– وما يوم الفصل؟

قال: يوم تجزي فيه الولاة، ويدعى فيه من السماء بدعوات، يسمع منها الأحياء والأموات، ويجمع فيه الناس للميقات، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات.

قال:

– أحقّ ما تقول؟

قال:

– إي وربّ السماء والأرض، وما بينهما من رفع وخفض، إنَّ ما أنبأتك به لحق ما فيه أَمْض.

قال ابن إسحاق:

– فوقع في نفس ربيعة بن نصر ما قالا فجهّز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم وكتب لهم إلى ملك من ملوك فارس يقال له سابور بن خُرَّزاد فأسكنهم الحيرة.

بفضل الله تعالى اكون قد انتهيت من مقالات (فلكلور الرعب العربي) بشكل مختصر وتم الاتفاق على تحويلها لكتاب بنفس العنوان على ان تكون مادته أغزر وأكثر ويتضمن موضوعات كثيرة لم اتعرض لها في هذه السلسلة تجدونها بمشيئة الله في الكتاب.

والله تعالى ولي التوفيق.

المراجع

– سيرة بن هشام .. عبد الملك بن هشام.

– سيرة بن اسحق.. محمد بن اسحق.

– موسوعة قصص العرب.. إبراهيم شمس الدين.

– المنمق في أخبار قريش.. محمد بن حبيب البغدادي.

– كتاب الرؤيا.. حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجري.

عن محمد عبد العليم

فائز بجائزة (نبيل فاروق) للخيال العلمي، من رواياته في أدب الرعب: (ليل)، (القتلة).