نبوءات الخيال العلمي: (السيبورج)

تشكك الطاقم الطبي في إمكانية إنقاذ المصاب، خصوصًا مع النظرة الأولى للساقين والذراع الأيمن المبتورين، علاوة على الفراغ الموجود محل عينه اليسرى.

إلا إذا…!

الأمل الوحيد المتبقي، يتمثل في زراعة أطراف آلية، قبل أن يتم دمجها بالأعصاب، فيستطيع المصاب التحكم فيها وكأنها أعضاؤه الحقيقة.

يعود الملخص السابق لافتتاحية مسلسل (رجل الستة ملايين دولار)، المستوحاة عن رواية (مارتن كايدين) الصادرة بعنوان (سَيبورج) 1972م، يعتبر بطلها (ستيف أوستن) أقدم وأشهر (النصف البشر/نصف الآلة) على الشاشة.

ولو مددنا الخط على استقامته سنجد تجليات أحدث، على غرار (دارث فيدر) في (حرب النجوم)، و(بورج) في (ستار تريك)، بالإضافة -طبعًا- إلى الرجل الحديدي (توني ستارك)، أما الأكثر تميزًا بينهم في وجهة نظري، الهجين الذي ولد في نهاية رواية (بذرة الشيطان) للمؤلف (دين كونتز). كثمرة إغواء الآلي (بروتوس) للبشـرية (سوزان) ربة المنزل الذي يخدمه.

يحتوى العمل على مشهدين يتنافسان في مدى إثارتهما للقشعريرة:

-الأول: عندما استسلمت المرأة -بعد طول مقاومة- للجسد الحديدي.

-الثانية: عندما أشرف الزوج البشري على عملية توليدها، فخرج ابن الخطيئة في صورة رضيع تمتزج فيه الخلايا بالأسلاك،  كانت أول كلمة تفوه بها، هي:

– أنا حي I’m live!

(السَيبورج) ببساطة اختصار لكلمة (Cybernetic Organism)، بما معناه «تدعيم الجسد الحي بمكونات آلية اصطناعية»، ظهرت اللفظة لأول مرة عام 1960م، على لسان الثنائي (مانفريد  كلينس) و(ناثان س. كلاين)، وإن تواجدت ضمنيًا من قبلها بكثير داخل أدبيات الخيال العلمي، ربما منذ أيام قصة القصيرة (الرجل الذي تم استهلاكه) لـ(إدجار آلا بو) عام 1839م، ونظيرتها (أقوى رجل في العالم) لـ(إدوارد بيج  ميتشيل) عام 1879م.

كلاهما اقتربا من مفهوم (السيبورج) إلى حد ما، غير أن عام 1911م شهد قفزة كبيرة في التصور الأدبي للفكرة، حيث أضاف الفرنسي (جين دا لا هير) سلسلته (الأعشى).

(العشى): يعني ضعف البصر ليلًا، وهو اللقب الذي ارتبط ببطل السلسلة (ليو سانت كلير)، صاحب القلب الاصطناعي، والجسد البشـري/ الميكانيكي، مما يجعله -بالمعنى العصري- أول (سيبورج) حقيقي يجد طريقه إلى صفحات الأدب.

ربما مررتم بشكل عابر على لفظة (القلب الاصطناعي)، لكن لنركز أن القصة صدرت عام 1911م، أي قبل عقود طويلة من أول إجراء أول عملية زرع قلب سنة 1967م.

أما عام 1928م، تألق (إدموند هاملتون) في روايته الكلاسيكية (مذنب الموت)، حيث اقترح شكلًا مختلفًا للسيبورج، بزرع عقل بشـري داخل روبوت هذه المرة، وبدا الشكل الجديد أكثر مناسبة لمواجهة الأخطار خارج الأرض.

استمر دور رواد الفضاء السيبورج في (باحثون يحيون عبثًا) 1950م، لـ(كوردواينر سميث)، ازدادت ملامحهم وضوحًا حتى وصلنا لأعمال في (اللمعان الفائق) عام 1983م لـ(فوندا ماك أنتري).

يوجد عملان آخران هما (الرجل الأتوماتيكي) و(القلب الأوتوماتيكي) الأولي لـ(إيف أوديل) عام 1923م، والثانية لـ(إنش باريت) عام 1931م، وضح كلاهما تطور نظرة الخيال العلمي للسيبورجية الطبية تحديدًا.

حتى رواد العصر الذهبي للخيال العلمي، وضعوا لمستهم على الثيمة، أمثال سير (آرثر سي كلارك) في (اجتماع مع ميدوسا) 1971م، بالإضافة لعملين أخرين عام 1976م (إنسان أكبر) لـ (فريدريك بول)، و(أثواب فائقة) لـ(برانجتون بايلي).

بشكل مجمل، ساد اتفاق غير مكتوب بين مؤلفي الخيال العلمي، حول اقتناعهم بقصور البشر عن خوض معاركهم المستقبلية، ورجحوا بأن من سيقوم بهذا الدور هم الآليين أو -على أقل تقدير- أنصاف الآليين (السيبورج)، وانتشرت نموذج الجندي السيبورج في أعمال بعنوان (لمبو) عام 1952م، (حزمة آي سي آ) 1961م، (الموت الذي يموت) 1962م.

*******

على أرض الواقع، سابق العلماء الزمن خلال السبعينيات، فجربوا زرع أقطاب لتنشيط أجزاء معينة من المخ (كمراكز الإبصار والحركة)، وحققت هذه التقنية نجاحًا محدودًا مع حالات كضعف البصر، أو الشلل.

اسم آخر لا يمكن إغفاله في هذا الصدد، ألا وهو الباحث (كيفن وارويك) المعروف بـ (كابتن سيبورج)، وهناك أسباب وجيهة -بالطبع- لخلعهم هذا اللقب عليه، ليس أقلها تجاربه الباكرة منذ عام 1998م، عندما زرع شريحة إلكترونية تحت الجلد، لتربطه بحاسب المعمل، فأمكنه التحكم عن بعد في إضاءة المكان، فتح الأبواب، إلخ.

يعدنا هذا الإنجاز بأشياء كثيرة، إذ لن نحتاج لإصدار أوامر صوتية أو النقر على أزرار، تخيلوا فائدة تقنية كتلك للمعاقين مثلًا؟

بل ويمكن البناء على الفكرة، بجعل عقولنا تتصل بالانترنت مباشرة، أو اتخاذ الحاسب وسيطًا للتراسل ذهنيًا فيما بيننا، أي سنحقق أخيرًا حلم “التخاطر” الذي طالما وعد به الخيال العلمي.

أما عن أول (سيبـورج حقيقي)، فيشتهر باللقب -عالميًا- (إيل هاربسـون)،

الذي ولد بمشاكل مزمنة في الإبصار، مما اضطره عام 2004م إلى إجراء جراحة فريدة من نوعها، بزراعة هوائي (إريال) متصل بجمجته، نقصد المعني الحرفي بالطبع، وليس (ذو إريال) بالمعنى الدارج.

هذا الهوائي يترجم له كافة المعلومات إلى ذبذبات صوتية، فبوسع (إيل) الآن، استيعاب الصور والألوان المحيطة، استقبال المكالمات الهاتفية داخل عقله مباشرة، بالإضافة إلى خدمة (واي فاي) تصله بالإنترنت والأقمار الصناعة.

فهل اقتصرت تقنية السيبورج على البشر فحسب؟

عام 2006م، لم تسـلم الحشـرات من زحف الميـكنـة، حيث تمكنت جامعـة

(كورنيل) من زرع هياكل اصطناعية في بعضها.

ولأول مرة عالميًا عام 2011م، أعلنت شركة (RoboRoach) رسميًا عن طرح صراصير سيبورجية للبيع، من التي يمكن للمستهلك توجيهها عن بعد.

لم يرق الأمر لمناصري الطبيعة والرفق بالحيوان.. إلخ، فأبدوا اعتراضهم حول مدى أخلاقية هذه التقنيات، لكن يظل هناك -دومًا- من لا يكترث بكل ذلك، كالعسكريين مثلًا.

منذ زمن طويل، أثارت تلك الأفكار شهية الـ(DARPA) بالولايات المتحدة، اختصار لـ (وكـالة مشـاريع البحـوث الدفاعيـة المتقـدمة) التابعة للجيش.

فأجروا تجارب مشابهة على بعض أنواع الخنافس، متوقعين منها ذات يوم أن تغـدو جاسـوسًا واعـدًا، فمن قد يلاحـظ أو يشك في حشـرة بريئة.. نصف رقمية؟

بمرور الوقت، مد الـ(DARPA) مظلة تجاربهم إلى كائنات أعقد، إذ تمتلك أسماك القرش مثلًا قدرات فائقة على الرؤية بالموجات فوق الصوتية، أي عند زرع أقطاب للتحكم فيها عن بعد، سيصير لدينا مجند بحري ذو سونار فائق، يمكنه الكشف عن سفن العدو، أو تنفيذ عمليات تفجيرية انتحارية عند الطلب.

• المصدر: كتاب (نبوءات الخيال العلمي).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)