الإثنين , أغسطس 19 2019

(السفر وراء الكتابة)- أحمد مجدي همام

المسألة بدأت بقرصة أُذن. كنت في الإرهاصات الأولى من مشواري مع الأدب والكتابة، أشخبط قصصًا قصيرة وبعض المقالات، أنشر بعضها في مجلة مهتمة بكتابات الشباب، وأحتفظ بالبعض الآخر دون نشر، غير إنني كنت أعرض كل ما أكتبه على أبي -رحمه الله-، فقد كان رجلًا ذو ثقافة موسوعية، ويتمتع بذائقة جيدة للأدب.

كتبت حينها، في 1999 أو 2000، قصة قصيرة عن شجار ينشب في موقف ميكروباصات بين لص سرق حقيبة يد من إحدى مرتادات الموقف، وبين شاب يستعين بعكّاز في حركته.

كانت محاولة أخلاقية لإبراز الجمال الداخلي على حساب الجمال الظاهر، وهذا ليس موضوعنا، فموضوعنا الحقيقي هو أنني جعلت موقف الميكروباص ذلك يقع في حي الزمالك.

بعد أن قرأ أبي القصة، وطلب مني أن نتناقش في محتواها، وأشاد بما رآه جيدًا فيها، بعدها وجدته يمسك بشحمة أذني بين أصابعه ويفركها كعقوبة رمزية.. ثم سألني:

ـ «هل هناك موقف ميكروباص في الزمالك يا أحمد؟»

ـ «لا أعرف»

ـ «لا يوجد موقف للميكروباص في الزمالك، أنت تذكّرني بالباشا الذي يريد أن يكتب عن فقر الفلاحين، فيجلس في شرفة قصره الفاره ويقول: (هناك في البعيد عاش فلاح فقير لا يأكل الكاجو ولا الفستق)»

فكّرت كثيرًا في نصيحة أبي، ووجدت أنه محق، وأنني لا يجب أن أندفع وراء الكلمات وغواية اللغة وطرب المجازات لأجعل من اللغة والكلمات والحروف بديلًا غير محايد ولا نزيه للمعلومات والرافد المعرفي في النص.

وبعد نحو عشر سنوات من تلك الواقعة، كنت أستعد لسفرتي الأولى، وراء الكتابة والمعلومة، وكنت على موعد لزيارة العاصمة السورية دمشق في ربيع 2010.

**********

دخلت في جمعية ورحت أدّخر لمدة سنة كاملة، جمعت منها مبلغ خمسة آلاف جنيه، وفي تلك السنوات كان هذا المبلغ كافيًا لتسافر إلى مدينة قريبة كدمشق وتقيم لمدة عشرة أيام. وهذا ما فعلته.

كنت في تلك الأيام أسعى لملء الفراغات في روايتي الثانية (أوجاع ابن آوى) التي ستصدر لاحقًا في 2011 عن دار ميريت للنشر في القاهرة، وكان أحد الأبطال سوريًا، واقتضت الأحداث أن أحمل أبطالي كلهم من ضاحية 6 أكتوبر في محافظة الجيزة، إلى منطقة مخفر العمارة في دمشق القديمة.

أجريت اتصالاتي وحجزت غرفة للإقامة في نُزل بلدي له فناء تتوسطه نافورة (بحرة) مثل تلك التي نراها في المسلسلات السورية، أدركت منذ وطأت قدمي ذلك المكان أنني وُفِّقت مبدئيًا في اصطياد فضاء مكاني ملهم. وعليه فقد حللت ضيفًا على نُزُل البيت الشامي.

في سوريا تعرّفت على الكثير من الأصدقاء وقابلت بعض الكتّاب وطفت في دمشق من أقصاها إلى أقصاها، ذهبت إلى باب توما وملعب العباسيين وسوق الحميدية وجبل قاسيون والمرجة والكثير من أحياء الشام الجميل.

وفي إحدى تلك الجولات وكنت برفقة صديق جزائري، قررنا أن نشرب كوبين من الشاي على قمة جبل قاسيون لنستمتع بمنظر دمشق من علٍ.

يقول الروائي الأمريكي (بول أوستر)، إن الحكايات تحدث فقط لأولئك القادرين على أن يحكوها.. في البداية كنت أظن أن تلك المقولة نوع من المبالغة الرومانسية الأمريكية، لكن رحلة جبل قاسيون مع صديقي الجزائري أثبتت لي صحة مقولة (أوستر)، فالذي حدث أننا شربنا الشاي، وعندما حانت لحظة مغادرتنا.

فوجئنا بفاتورة تقدر بخمسة آلاف ليرة سورية، وهو رقم كبير للغاية يكفي لشراء ألف كوب من الشاي على أقل تقدير. طبعًا اعترضنا على المبلغ والفاتورة، وهنا بدأت الألاعيب، حيث اختفى النادل وجاء مكانه قبضاي ليحاسبنا.

قبضاي حقيقي له لحية كثة ويعلق حول معصمة شريطة سوداء مطعّمة بكرات معدنية صغيرة، والأدهى هو أنه طلب منَّا أن نصحبه إلى المطبخ لنتمم الحساب! وهو الأمر الذي أثار ريبتنا وجعلنا ندرك من فورنا أننا نتعرض لعملية سرقة واضحة.

شرحنا للرجل أننا لسنا أثرياء من الخليج ليتم نهبنا بهذا الشكل، وأننا مصري وجزائري ادخرنا واقترضنا لنستطيع زيارة الشام، ساومناه وماطلناه ولما مل قام بتخفيض المبلغ إلى أربعة آلاف وخمسمائة ليرة. حتى أنه أخذ الفاتورة وشطب الرقم القديم ووضع الجديد.

فتشنا جيوبنا ولم نجد ما يكفي لإكمال المبلغ. إلا أن صديقي الجزائري، لحسن الحظ، كان يحتفظ ببعض الدولارات في جيبه، فأبرز خمسين دولارًا وطلب من الرجل أن يصرّفها لنا بالليرة السورية، وهنا جاءت السرقة الثانية، فقد صرفها القبضاي السوري لنا أقل من المبلغ المستحق بخمسٍ كامل، واضطررنا للقبول، لكي نستطيع استكمال المبلغ الوارد في الفاتورة.

دفعنا 4500 ل.س نظير كوبين من الشاي وبعض المقبّلات كالبتيفور واللب وشرائح الطماطم والخيار. خرجت مع صديقي وغصة تكاد تمزقني من الداخل.

لقد سرقنا هؤلاء الناس ونهبونا تمامًا. استوقفنا تاكسي وركبنا صامتين مقهورين، حتى أن السائق لاحظ وجومنا، وكان هذا السائق مفتاح الفرج، إذ أنه توقّف في الطريق الهابط من الجبل أمام سبرتاية لرجل عجوز يبيع الشاي، اشترى السائق لنفسه كوبًا وعاد ليكمل بنا المشوار. أردت أن أعرف حجم خسارتي فسألت السائق:

ـ «بكم الشاي يا حجّي؟»

فأجاب دون أن يلتفت لي:

ـ «خمس ليرات»

تعاظم الشعور بالقهر داخلي، وحكيت للسائق، الذي قال أن الحل هو شرطة السياحة. وهكذا نزلنا من الجبل إلى مقر شرطة السياحة وقدمنا بلاغًا بالواقعة، وفي اليوم التالي أرسلونا إلى الجبل رفقة سيارتين مليئتين بالجنود والضباط ومهندسي وزارة السياحة، حيث داهمنا المطعم القاسيوني.

وقد رأيت بنفسي الذعر في عيني صاحب المطعم والقبضاي الذي حاسبنا، رأيت الخوف وهم يروننا نتقدم وسط الكتيبة، لقد انقلبت الآية، وصار صاحب الأرض غريبًا وصرت أنا سيد الموقف وسط القوّات السورية.

قدّم صاحب المطعم وجبة الغداء للكتيبة كلها، وظل طوال الوقت يقدم اعتذاراته لي ولصديقي الجزائري، ثم حانت لحظة الحساب، فأتي الرجل بقائمة الأسعار المعتمدة من وزارة السياحة، وأتينا بالفاتورة، وكانت القيمة الفعلية لطلباتنا مائتي ليرة سورية فقط لا غير، وهي أسعار سياحية بطبيعة الحال، إلا أنها كانت في المتناول.

ظل صاحب المطعم يتوسّل لنا لنتنازل عن الشكوى، وإلا سيكون مضطرًا لدفع غرامة هائلة تتجاوز الألفي دولار، وقال رجال الشرطة إن التنازل أو عدم التنازل حق خالص لنا وإن حثّني أحدهم على التسامح. لكن صديقي الجزائري ذو الدم الحار ظل يشير إلى أنفه ويقول بلهجته المميزة: «النيفة ياخويا». أي الأنفة وعزة النفس والكرامة. ورفض التنازل حتى لو تنازلت أنا.

ظلت تلك القصة عالقة في رأسي حتى بعد عودتي إلى مصر، ولم أكتبها أو أسجّلها إلا بعد عودتي بخمس أشهر ربما.

ذلك لأنني خفت من الكتابة الآنية، التي قد تحفظ هذا الموقف في ذاكرتي غير الواعية، بصيغته التقريرية المحايدة، بل أردت له أن يتفاعل بداخلي وأن يتتبّل بأفكاري وخيالاتي لينتج عنه لحظة كتابته قصة تتناسب مع كيمياء الرواية، قصة حية صادقة تحمل الطعم الشامي والتفاصيل الدمشقية، لكنها تبدو كامتداد طبيعي لما سبق أن كتبته في رواية (أوجاع ابن آوى) بحيث لا تبدو مقحمة أو مصطنعة، بل تبدو كتجلّيات لونية مختلفة لكيان واحد.

• المصدر: كتاب (من وحي رحلة).

عن لأبعد مدى