الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

الزجاجيون: فصل من رواية (قربان)

منذ قليل، قال زميل لي أنهم أكبر نعمة عرفها كوكبنا.

أما أنا.. لا أعرف.. لا أستطيع أن أحدد موقفي إزاءهم..

تسرب الزجاجيون إلى عالمنا مع انتشار “السفر الآني”، الكل يذكر ذلك.. ويمكن القول أنها ضريبة غير متوقعة –إطلاقًا- لهذا الاختراع المغري، والذي سريعًا ما صارت كابيناته في كثرة أعمدة الإنارة، إذ يكفي أن تدخل إحداها، فيتم تفكيك ذراتك لتطير عبر نفق أخضر.. ثوان.. ثم يتم تجميعك مرة أخرى في الوجهة التي تريدها!

تحمست جدًا، وأدمنت السفر بهذه الوسيلة.. بعد شهور، رأيتهم لأول مرة في حياتي، أفواجًا من كائنات شفافة بعيدة لها قوام يشبه البشر، ثم تدريجيًا.. بدأوا في الاقتراب، و.. لمسي.

والنتيجة؛ سببت اللمسات لي ما هو أشبه بنوبة الصرع، ثم اكتشفت أنني لست وحدي، الكثيرون رأوهم وارتجفوا من لمساتهم فور أن تكون أجسادهم على الطرف الآخر من الرحلة.

ثم حدث التطور الأسوأ الذي أوقفوا بسببه السفر الآني –عالميًا-، لقد بدأوا الزجاجيون في التسرب إلى أرضنا بالفعل.

الأغرب، أن الضيوف أبدوا التزامهم -منذ اللحظة الأولى- بعادة غريبة، وهي أنهم يهاجرون –أسرابًا- عبر السماء إلى مناطق معينة بالكوكب، ويتكسرون هناك فيما يشبه الانتحار الجماعي؛ تلك الأماكن على غرار؛ بحر الشيطان في اليابان، صحراء كاليفورنيا في الولايات المتحدة، معبد إخميم بمصر، إلخ.

ومع ذلك، ظلت جحافلهم التي تدفقت لكوكبنا، تعوض –باستمرار- مفقوديهم من المنتحرين.

وصار هناك مئات الضحايا يوميًا بالنوبات الصرعية، ثم.. لا أضرار أكثر، جميعهم يفيقون ويواصلوا حياتهم بصورة طبيعية.

في النهاية، اضطرت المدن الكبرى لصنع مظلات عملاقة، بحيث توفر الغطاء الصوتي الحاد ليل نهار، بتردد عال تنفر منه الزجاجيون.

فيما بعد؛ انكشفت حقيقة كل شيء، كل ما حدث ويحدث.

اتضح أن أوجاعنا الداخلية لها أثر فيزيائي، هذا الأثر لا يتبخر إلى الأعلى، بل يهبط إلى الأسفل، ويغذي مسارات طاقة تحيط بالكوكب؟ تدريجيًا.. تسببت أوجاعنا كبشر في تراكم طاقة المسارات بأكثر من حدها الحرج؛ (فرقعت أصابعها) ومن ثَمّ حدث انعكس المجال الكهرومغناطيسي للأرض.

كل من يملك بوصلة، فوجيء بمؤشرها يكف عن الاتجاه إلى الشمال، فقدت تبدلت قطبية للكوكب، ليصير الجنوبي محل الشمالي، والعكس.

هذا التحول المغناطيسي تسبب في انقلاب مناخي كامل، زلازل، براكين.

أي باختصار؛ كل ما يلزم كي يظن الناس أنها النهاية!

لم تكن الحادثة هي الأولى من عمر الكوكب، يقال أنه تكررت سابقًا في العصور السحيقة، بل تذهب أحد النظريات إلى أنه السبب في انقراض الديناصورات.

وبما أن البشر ليسوا كالديناصورات، لم تلبث القصة أن وجدت مخرجًا للجميع، إلا أنا.

ذهب الإفلاس بي إلى أن أصدعكم بتكرار سرد قصة يعرفها الجميع، و..

********

أوقفت الآلة (ليلى) التصوير، ودنت من الجدار المواجه –ببطء- كي ترهف السمع، هل بدأت تجن؟ أم أن هناك –بالفعل- ما يشبه رفرفة أجنحة قادمًا من الداخل.

دارت حول نفسها، تحاول التقاط الحقيقة، وهمست لنفسها:

– أتوهم بالتأكيد، لا يمكن وجود شيء داخل الجدران المعدنية.

أصرّت الرفرفة على إثبات العكس، وتصاعدت حتى بلغت درجة تبدد أيّ إمكانية لإنكارها، فاستسلمت المرأة لفضولها، وألصقت أذنها به لأربع ثوانٍ.

أربعة فقط قبل أن تقفز إلى الخلف، وكادت الروح أن تفارق جسدها ذعرًا، فقد انشق الجدار عن قبضة خضراء بجوار رأسها تمامًا، تحركت باحثة عن شيء تلتقطه.

اندفعت (ليلى) نحو الباب كالقذيفة، غير أنه استعصى على الفتح، فصرخت:

-النجدة.. ساعدوني..

تحطمت الأرضية خلفها تمامًا، ونبت منها سريعًا ما يمكن تسميته… ربما اللفظة المناسبة هي “روبونبات”.

لطالما تنبأ رواد الخيال العلمي بظهور نصف إنسان + نصف آلي، أما ما تجسد أمام (ليلى)، فقد تجاوز توقعاتهم بعض الشئ؛ إنه نصف آلي+ نصف نبات!

أسلاك ودوائر إلكترونية، تتداخل مع قوام نبات منتصب!

شارف قلب (ليلى)على التوقف ذعرًا، بينما يدها تواصل الدق الهيستيري على الباب:

-النجدة.. ليس قصة كهذي.. ليست كهذي..

• من رواية (قربان).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).