(6) انتشار الرعب المرئي/ المسموع: أدب الرعب.. متى وكيف؟

مدخل..

منذ ستة أشهر تقريبًا.. بدأت في سلسلة المقالات تلك.. تكلمت عن مولد الرعب في النفس البشرية.. وتطور شعور الخوف.. ووصوله إلى الكتابات القديمة وجدران المعابد.. أساطير محلية لا زلنا نتناقلها عبر العصور..

تحدثنا عن ظهور الرعب كنوع من الكتابة الأدبية.. تحدثنا أيضًا عن النهضة الحديثة لأدب الرعب.. وعن محاولات اقتحام ذلك المجال الأدبي غير المطروق في بلادنا العربية.. وكيف أصبح لدينا العديد من الكُتاب والأعمال المميزة.. لكني أعتقد إن هذا يكفي.. لقد جئت اليوم حتى أُنهي ما بدأت..

جولة أخيرة بعد..

هذه المرّة سنستقل آلة زمن من نوع خاص.. صدقني (محركات البحث) يمكن اعتبارها – ببعض من المرونة- نوعًا من آلات الزمن بدورها..

هيا نبدأ.. سنكتب معًا تلك الكلمة في محرك البحث “رعب”.. ثم (Enter) لتبدأ جولتنا.. أكثر من ثلاثة ملايين موضوع على شبكة الإنترنت باللغة العربية عن الرعب.. لكن ماذا لو بحثنا باللغة الإنجليزية “Horror”؟

ثلاثمائة مليون موضوع باللغة الإنجليزية عن الرعب!

دعنا من تلك الأرقام ولنبدأ في البحث بعمق.. ماذا لو بحثنا عن كلمة رعب في محرك البحث الخاص بالصور.. قد تُصطدم من كم الوجه المرعبة والجماجم والمسوخ التي سوف تصطدم بها..

كلمة رعب لم تعد فقد تقتصر على الحكايات والقصص في عصرنا هذا.. بل أصبحت ظاهرة.. أو كلمة نستخدمها للتعبير عن شعور لا نفهمه.

ماذا لو بدأنا في البحث عن المُدوّنات؟

سنجد مئات المُدونات التي تكتب عن الرعب وتتخصص فيه.. محتويات تلك المُدونات قد تتباين بشكل كبير رغم وحدة الفكرة..

هناك موضوعات تتناول فكرة الرعب من ناحية العلـوم الماورائيـة.. حيث يطيب الحـديث عـن المخلوقات الفضائية.. وفي جهة أُخرى قد يتم تناول تلك الموضوعات كأساطير من التراث العالمي يجب التعرف عليها..

كما سنجد أن العديد من المواقع تقوم بنشر تحقيقات يقوم بتحضيرها فريق بحث يعمل على زيارة الأماكن المهجورة والتقصي عنها.. ويقومون جميعًا بعمل تحقيق صحفي يشمل الصور ومقاطع فيديو من داخل الموقع تركز على بعض الأشياء مع لفت نظر المشاهد إلى كون تلك الأشياء مُريبة..

يرى البعض أن كتابات الرعب ما هي إلا محاولة للهروب من واقع أكثر إرعابًا.. يلجأ فيها الكاتب إلى التعبير عما يعتمر نفسه من مخاوف.. وهذا ما يحصل في مجتمعاتنا العربية اليوم.. فالكثيرون يلجأوا إلى كتابة القصص المرعبة في أوقات الفراغ.. وهنا يظهر دور آخر لتلك المدونات في نشر تلك الكتابات المرعبة.. حتى يقرأها كل باحث عن الخوف.. إنها طريقة غير مباشرة للعلاج من مخاوفنا..

سنكتب في مربع البحث (أحمد يونس).. وأول ما سيخطر في بال المحرك هو “قصص رعب ع القهوة مع أحمد يونس”.. بالإضافة إلى العديد من الحلقات المُسجلة.. فعلى مدار ستة سنوات من إذاعة برنامج (ع القهوة) مع أحمد يونس على نجوم إف ام كانت فقرة الرعب هي الفقرة المفضلة لجميع المستمعين.. بل ربما يمكننا القول أن أغلب مستمعي البرنامج عرفوه من خلال فقرة الرعب الخاصة بيوم الاثنين في الثانية بعد منتصف الليل.. بدأت في إحدى المرات كفكرة بسيطة لفقرة يتم إضافتها للبرنامج.. قبل أن تتحول مع الوقت إلى ظاهرة..

رغم بساطة الفكرة التي تعتمد على الحكي والمؤثرات الصوتية.. إلا أن أُسلوب الراوي ومؤثراته والأجواء السحرية التي نجح في نسجها.. جعلت من تلك الفقرة ضرب من ضروب المتعة النفسية.. عبر هروب المراهقين والشباب من زحام الحياة إلى تلك القصص البسيطة التي مع الوقت أصبحت بأقلامهم هم..

هكذا نرى أن الرعب يتجسد في أشكال عدة.. أشكال ترى بالعين.. وتسمع بالأذن.. بل وفي بعض الأحيان تُشم! فقد شهدت السينمات العربية مؤخرًا العديد من المُحاولات لإنتاج أفلام  ومسلسلات الرعب..

على الصعيد الأدبي أيضًا يتم نشر عشرات الكتب في كل عام كلها تدور في إطار الرعب.. يمكننا فقد أن نأتي بعملين فقط.. ونصنفهما كأدب.. بينما قد نجد أن باقي ما نُشر.. ما هي إلا حكايات مرعبة للتسلية.. خالية من اللمحة الأدبية.. بل إن بعض دور النشر أصبحت تتفنن في صناعة الروايات المرعبة.. عن طريق دعمها بـ CD مسجل عليه موسيقى مناسبة للأجواء.. بالإضافة إلى إرشادات خفض الإضاءة وحسن الاستماع على ظهر الرواية!

حتى ظهر مع الوقت من يحاربون أدب الرعب..

لأنه لا يرقى إلى المستوى.. رغم تاريخ رواده الأدبي.. لكن ما يكتب في أيامنا تلك.. زرع في أذهن الناس أن الرعب ولا يمكن تصنيفه كأدب جاد..

عندما تجرأت على مناقشة تلك الفكرة ذات مرة مع الأديب (هشام الخشن) -صاحب رواية (جرافت)- قال لي فيما معناه:

– نحن ككتاب كبار (قامةً وعمرًا) لا نحارب أبدًا أدب الرعب أو الفانتازيا بشكل عام.. بل ننتقد فقط الأعمال الضعيفة منه..

وهذا ينتقل بنا إلى منحى آخر.. إلى كُتّاب الواقعية الشباب ونظرتهم إلى إنتاج زملاء جيلهم من مؤلفي الرعب..

يقول (أحمد إبراهيم إسماعيل):

– كتابات أدب الرعب بالنسبة لي تُعتبر متنفس للناشئة لتحفيزهم أكثر على الدخول للعالم الأدبي والاطلاع على الأنواع الأكثر قوة..

يضيف مؤلف رواية (سرباز)، مؤكدًا:

– مكانة أدب الرعب بالنسبة لي “أدب ناشئة”.. أو وقت للتسلية بين دفتي كتاب أفضل من قضائه في أي مكان آخر شيء جيد إذا تم استغلاله بشكل صحيح وتوظيفه لخدمة الوعى والإدراك العام..

اشترك المؤلف (أحمد مراد السعيد) مع نفس وجهة النظر جزئيًا، فأشار إلى أن كتابات الرعب صنف من صنوف الأدب الحديث.. أجاد الغرب استخدامه بعبقرية.. لكن للأسف ما زال بمنطقتنا يندرج تحت بند أدب التسلية، حيث لم يأتِ بعد الكاتب الذي يمكنه النهوض به لإعطائه حقه الأدبي رغم نجاحه تجاريًا..

عندما سألنا (مراد) عن انطباعه حول رواج ذلك اللون الأدبي، أجاب:

– انتشاره شيء جيد ومبشر لأن الغالب هو انصياع الكبار للذوق العام، وطالما كان انتشاره قويًا هكذا سيجذب كبار الكتاب والأدباء له، ويمهد له الطريق المستحق له..

***********

يعد (أحمد الملواني) أحد المؤلفين القلائل الذين تألقوا في أكثر من لون أدبي، حيث فازت أعماله الواقعية مرتين في المسابقة المركزية لقصور الثقافة، إلا أنه بدأ مشواره بالحصول على جائزة (نبيل فاروق) في الخيال العلمي عن قصته القصيرة (يوجينيا)، والتي نشرها لاحقًا ضمن مجموعة قصصية -ينتمي معظمها إلى أدب الرعب- تحت عنوان (الروحاني)..

يرى الملواني أن مكانة كتابة الرعب بين أنواع الكتابة الادبية المختلفة سواء في القصة أو الرواية تتأثر سلبًا ببعض الأزمات التي تواجه كتاب الرعب، هذه الأزمة تتلخص في أن أدب الرعب يعتمد على الحكاية المخيفة.. وهو ما يغري كاتب رواية الرعب بالسعي وراء صياغة الحكاية دون إعطاء الاهتمام الكافي بعناصر الكتابة نفسها.. بينما يقتنع مؤلف (الروحاني) بأن الرواية الجيدة لا يهم ما تحكيه فيها.. وإنما كيف تحكيه.. وهنا يكمن بالتحديد –من وجهة نظره- سبب تطلع الكثيرين إلى هذا اللون كنوع أدنى من الكتابة، حيث يهتم معظم كتاب الرعب بالحكاية، ولا يهتموا يكيفية حكيها.

أما عن سبب انتشار الرعب في الفترة الحالية، أعزاه الملواني إلى:

– قد يكون تعبيرًا عن رغبة في الهروب من مواجهة المخاوف الحقيقية التي تحيط بنا حاليًا.. فالرعب من الصناعات التي تولد في أوقات الأزمات..تحديدًا الأوقات المليئة بخوف نعجز عن مواجهته..

***********

عندما استطلعنا رأي الكاتب (محمد فاروق المليجي) صاحب المجموعة القصصية (العطشجي)، علّق بأن انتشار الرعب ودخوله إلى الميديا (إذاعة، تلفزيون، سينما) كان فتحًا كبيرًا لهم ككتاب فانتازيا، ولكن رغم ذلك.. يأسف أن ذلك الانتشار الذي فتح الباب، لم يخلّ من تشويه للصورة أكثر بالتركيز على الجن واللبس وكأن ليس هناك رعبًا أكثر من هذا.. الرعب الحقيقي موجود في أنفسنا وليس خارجنا..

أما فيما يخص انطباع المليجي تجاه من ينظرون إلى (الرعب) كتصنيف أدبي أدنى، يقول:

– أنا ضد نظرية الترتيب هذه، حيث يعتبر الأدب كتـلة واحدة، به الاجتماعي والبوليسي والفانتـازي و.. و.. و.. كل له جمهوره ومتذوقوه.

***********

(حسين الحمداني).. كاتب عراقي.. مُدون في موقع كابوس للرعب والماورائيات.. من الكتّاب الأوائل لحلقات فقرة الرعب ببرنامج الراديو ( ع القهوة مع أحمد يونس)، يقول في هذا الصدد:

– أنا من محبي الرعب.. لكن ما لا يدركه البعض أن الرعب كالعسل.. كلما أكلت منه ملعقة.. تضايقت من فرط حلاوته.. هكذا تكتشف مع الوقت.. أنه كلما قرأت في مجال الرعب.. تتضايق من كثرة التشابه والأفكار الرخيصة..

أما بالنسبة لتحول الرعب لظاهرة.. أدلى الحمداني بوجهة نظره، قائلًا:

– في رأيي أرى أنه تحول لسلعة رخيصة لجذب الناس وشهرة الناشر لا أكثر.. يُركز الناس على الأعمال الناجحة ويقومون بتقليدها.. عسى أن ينالوا نفس النجاح..

في النهاية، أعرب الكاتب العراقي عن أمنيته أن يخرج من الكتّاب الشباب من ينهض بالرعب كفن أدبي.. فأدب الرعب –في رأيه- ليس بسطحية ما يُنشر في تلك الأيام..

**********

خاتمة..

الآن وبدون أي مقدمات لنهايتنا.. انتهت أخيرًا تلك السلسلة من المقالات التي حاولت من خلالها الإجابة على سؤال مهم سواء شغل البعض أو لم يشغلهم.. وهو.. أدب الرعب متى وكيف؟؟

(تمّت)

عن لأبعد مدى