الإثنين , سبتمبر 16 2019

التقنيات الفانتازية: (4) الإيهام العلمي- محمد الدواخلي

– لمطالعة (الحلقات السابقة).

من أقدم التقنيات المستخدمة في الكتابة، أن تحاول إيهام القارئ بأن الأحداث حقيقية أو ممكنة، قديمًا كانت تستخدم كخداع حقيقي، واليوم هي جزء من (المصداقية الفنية).

بمعنى: أن القارئ يعي أن كل هذا هو محض خيال، ولكن يسهل عليه أن يتقبله وينفعل به أكثر بواسطة هذه التقنيات التي تقلل المسافة بين الخيال والواقع.  (صفقة دعني أخدعك دعني انخدع المتبادلة بين الكاتب والقارئ)

تتعدد هذه التقنيات بشكل يفوق التصور وتختلف باختلاف نوع الكتابة تراثية أم خيالية أم خيال علمي.

أقدم هذه التقنيات…

• تقنية (العنعنة):

والعنعنة وسيلة علمية قديمة في تحقيق تواتر أصول الدين والعلوم النقلية.

بمعنى: هي سرد مستمر لناقلي المادة العلمية/الدينية فلان عن فلان حتى تصل لصاحب الأصل ويتولى العلماء مهمة تمحيص هذا السند المتواصل وتأكيد مصداقية كل شخص فيه لإثبات صحة عملية النقل أو ما يسمى بالتواتر. ويتم إثبات هذه السلسلة من الأشخاص كبصمة أو شهادة ضمان للمادة العلمية.

في بعض السير الشعبية أضيفت سلاسل وهمية من العنعنات سواء لإسناد العمل بأكمله أو جزء منه وذلك بذكر رواة أغلبهم وهمي ولكن عادة ما ينتهون إلى شخص معروف له مصداقية عالية عند الجمهور.

عملية إلحاق العنعنات هذه تعد وسيلة للإيهام بعلمية السيرة بإلحاقها بوسائل تحقيق العلوم النقلية.

في الكتابة الحديثة تستخدم العنعنات كجزء من المحاكاة. فحين يتحدث المؤلف عن زمن ماضي أو وثيقة وهمية من عصر قديم يقوم بإضافة العنعنات فيها كجزء من تقنيات محاكاة العصر واللغة.

• تقنية (التفسير العلمي الخرافي):

هي الأخرى من التقنيات العتيقة جدًا، ومازالت تستخدم حديثا. حيث يضع الناس تفسيرًا خرافية تحمل منطقًا غير علمي، فهي تفسر الظواهر الطبيعية بالكامل لكن بدون أدلة.

مثل: أساطير تفسير البرق والرعد والنجوم الخ (كالقول بأن البرق والرعد يحدثان من صدام جملي الشتاء والصيف في السماء).

هنا المؤلف يستعين بتفسير يبدو علميًا لكنه على غير أساس من العلم: كمثال صنع علاقة تفاعل سحري بين الذهب والإنسان وتفسير ذلك بأن الذهب أكرم العناصر والإنسان أكرم المخلوقات الحية!

فرانكنشتاين قارن بين الدق على ساعة متوقفة ومرور الكهرباء في الجسد الميت.

أحيانًا أخرى يستعين الكاتب بنظرية واهية أو تطبيق محرف لنظرية علمية. كالاستعانة بنظرية الأبعاد (والتي في الحقيقة تتحدث عن مستويات متعددة للمادة والجزيئات) بخلق عوالم موازية لعالمنا.

أو تحدث الكاتب عن إنتاج الإنسان للطاقة الكهربية ويستخدمها لاستخراج طاقة عقلية أو طاقة للسيطرة على العقول إلخ.

من الاستخدامات المبتكرة الاستعانة بنظريات ثبت عدم صحتها! ففي سلسلة العالم الدائري discworld للسير تيري براتشيت يتخيل عالمًا مستديرًا مسطحًا محمولًا على ظهر سلحفاة عملاقة!

• تقنية (تزييف العلم):

وهي مرتبطة إلى حد كبير بالاستخدام الخرافي للعلم. ففي هذه التقنية يستخدم الكاتب سلسلة من الحقائق العلمية الغير مترابطة بصورة مغلوطة للوصول إلى تطبيق مستحيل علميًا.

غرض هذه النظرية هو تعميق حالة الإيهام لدى القارئ ليتقبل ما يتخيله الكاتب على انه قابل للتصديق. فمثلا يتحدث نبيل فاروق في سلسلة ملف المستقبل عن دروع واقية من آشعة الليزر القاتلة عن طريق جعلها تنحرف من مسارها مستغلا كونها أشعة مستقطبة (polarized) ولكن حقيقة أن الليزر أشعة مستقطبة لا تعني أن لها أقطابا كهربية أو مغناطيسية قابلة للجذب!

وإنما ببساطة أن أشعتها أحادية الموجة والاتجاه مثلما يكون القطب أحادي الشحنة.

محاذير استخدام هذه التقنية كثيرة، فأولًا على الكاتب مسئولية أخلاقية تجعله ينتبه ألا يوصل معلومة خاطئة لقارئ.

ثانيًا: هذه التقنية تعمل على القارئ العادي، لكنها تستفز القارئ المتخصص الذي يدرك مدى سذاجة وعدم منطقية الطرح العلمي من اللحظة الأولى، بما يخلق لديه حالة رفض للعالم المتخيل الذي يفرضه الكاتب أشد مما يحدث عند استخدام تقنية العلم الخرافي السابقة.

لذا يفضل البعد عن المعارف العامة التي لها انتشار بين القراء والاستعانة بتفاصيل معقدة بعض الشيء تعمق حالة الإيهام.

ثالثًا: على الكاتب مسئولية أدبية بإنشاء بناء مترابط بما يكفي للحفاظ على حالة خداع القارئ العادي، بدون أن يغرق في المبالغات ويضم عدد ضخم من المغالطات العلمية في حيز ضيق بما ينسف البناء المنطقي الذي خلقه تماما.

ومن الغريب أن هذه التقنية لا تستخدم فحسب في الفانتازيا وإنما في عالم الواقع أيضًا، ولعل مهزلة تحويل فيروس الإيدز إلى أصابع كفتة عبر جهاز غامض لو كتبت في رواية لتعرضت من ناقد الفانتازيا والخيال العلمي لهجوم شرس، حيث انتهكت كل المحاذير!

فمن تمرير معلومة مغلوطة للناس إلى استفزاز مطلق لأي شخص ذو حد أدنى من المعرفة بعلم الأحياء دون أدنى تفصيل يساعد على ابتلاع هذا الوهم، وأخيرا الجنوح في المبالغات حتى يلغي هذا الخيال نفسه!

فنجد من يتحدث عن دقة الجهاز إنه يشير إلى جاكت لمسه مريض بينما يشير هذا النموذج الوهمي إلى حالة عنيف من التداخل تجعل الجهاز بلا قيمة تشخيصية أصلًا!

نلاحظ هنا فرقا بين العلم المزيف (pseudoscience) وتزوير أو تزييف العلم.

العلم المزيف أو الهامشي هو موضوع بحثي لا يحقق كامل منهج البحث العلمي السليم مثل الدراسات التي تتناول عوالم الأشباح والأطباق الطائرة وما وراء الطبيعيات. وهي موضوع أدبي شيق وثري بينما تزوير العلم هو تقنية يقوم فها الكاتب بالاستعانة بمعطيات علمية للوصول إلى نتيجة غير علمية لكنها تبدو كذلك!

• تقنية (المزج بالحدث التاريخي):

هي استخدام حدث تاريخي معين (غالبا غامض أو غير مفسر) وربطه بالحدث التخيلي إما كسبب له أو كنتيجة.

كمثال:

– استخدام بناء الأهرامات كعمل فريد للحديث عن فضائيين أو سكان أطلانطس أنهم ساهموا في بنائها.

– استخدام تقويم الأزتك الذي ينتهي في عام 2012 لافتراض وجود كارثة كبرى أو نهاية للعالم في هذا التاريخ.

عملية استخدام هذه التقنية (معتادة في الفانتازيا التاريخية) تدخل ضمن تيمة (أسرار القدماء الغامضة) النابعة من غريزة الحنين إلى الماضي والحنين إلى الفردوس المفقود.

– الاعتماد على المشاعر والمعتقدات الدينية: باللجوء لآيات وتفسيرات معينة لتِأكيد الحالة النفسية للقصة، كمثال في حالة قصة تتحدث عن الجن يثبت المؤلف وجودهم بالآيات القرآنية.

• تقنية (إنه حقيقي لأنني أؤكد ذلك وتوجد أدلة كثيرة)!

هنا الكاتب يحيل القارئ إلى مصادر وهمية أو واهية غالبًا على صفحة إنترنت ويترك القارئ الكسول أو ضعيف الخبرة فريسة لهذه الأوهام اعتادا على (كلمته) وهي تقنية مناسبة في أدب الرعب أكثر ولو أنها تنتج في الغالب أعمالا ضعيفة، كونها تستسهل طرح الفكرة بدون جهد حقيقي لغزلها في عين القارئ وبيعها له.

• تقنيات (التمويه والتنظيف):

هي تقنيات يستخدمها الكاتب للإيهام بعدم الحقيقة!

فهي تستخدم إما لخداع القارئ بمنحه تفسيرًا غير حقيقي للأحداث يخفي عنه الحبكة الحقيقية للعمل أو لتفسير نقاط التقاطع بين العالم الكامن والعالم الحقيقي.

هذه التقنيات تعتمد على خلق تفسيرات طبيعية لظواهر غير طبيعية وتقديمها للقارئ مع معرفته بأنها كاذبة (تنظيف) أو عدم معرفته (تمويه).

♦ الحالة الثانية:

ليست قاصرة على الفانتازيا فهي إحدى تقنيات الكتابة الشائعة، حيث يتكرر الحدث وينسبه البطل لتفسير منطقي لكن به نسبة شك حتى تأتي لحظة التفسير الحقيقي المناسبة. فجريمة القتل في الرواية البوليسية تبدو كحادث في البداية، الزوجة تبدو متعبة ومنشغلة قبل أن تنكشف خيانتها إلخ.

يمثل استخدام هذه التقنية فرصة لصراع الشك في قلب البطل وكذلك لصراعه مع المحيطين به الذين يرفضون تصدقيه.

♦ الحالة الأولى:

وهي عملية التنظيف: ينظف البطل وراءه كي لا يكتشف الناس سره فوق الطبيعي بابتكار تفسيرات كاذبة متتالية.

هذا نوع من الهندسة العكسية الأدبية حيث يبدأ الكاتب بوجود حدث غريب وينطلق من هذا الوجود نحو محوه.

مثال عليها في قصة هاري بوتر حيث عالم السحرة مختفي عن عالم البشر أو العامة (muggle) ولكن الاحتكاك مستمر بين العالمين فكيف يحافظ السحرة على سريتهم؟

هناك قسم متخصص في هذا في وزارة السحر يقوم بمحو ذاكرة البشر الذين يتواجدون في المكان الخاطئ، يموه أماكن تجمعات السحرة ويعد وسائل نقل ومداخل سرية، الخ!

في سلسلة العالم السفلي حيث الحرب بين مصاصي الدماء والمذءوبين استخدمت عدة تقنيات، فمصاص الدماء يتحول إلى رماد والمذءوب يرجع لطبيعته وظهر في الجزء الثاني كورفينوس الأب البشري الخالد الذي يتابع رجاله التنظيف وراء كل معركة.

وسيلة أخرى هي ببساطة النسب إلى الجنون! فما شاهده ورآه البطل هلاوس أو أحلام أو هو مجنون عقليا لا يصدقه الناس لدرجة أن يبدأ البطل في الشك في نفسه ومدى عقلانيته.

• تقنية (صفقة الشيطان):

عملية عقد صفقة مع العدو يدفع البطل ثمنها الباهظ موجودة في كل ألوان الأدب، لكن ما يخص الفانتازيا هو أن الصياغة تكون حرفية! فالصفقة مع شيطان حقيقي أو كائن خرافي، وهذا يجعل النتائج التي يتعامل معها المؤلف مختلفة في بعض النواحي هي ما نركز عليه، إلى جانب كونها واحدة من تقنيات (القوة المستمدة من آخر) التي سيتم تفصيلها فيما بعد.

فعند اختيار صفقة الشيطان كوسيلة لاكتساب القوة فإن أغلب الآثار الجانبية التي يتعرض لها البطل يغلب عليها جانب من صفقة الشيطان أكثر من الآثار المعتادة النابعة من شخصية البطل والموقف المحيط به التي تميز بقية وسائل اكتساب القوة.

♦ أول ملاحظة:

على المؤلف ِأن يراعيها عند استخدام هذه التقنية هي العاقبة الأخلاقية. فرغم أن الأدب الحديث غادر هذه النقطة إلى حد كبير. حيث لم تعد الكتابة الأدبية قاصرة على فكرة الموعظة الأخلاقية وإنما تتسع كوسيلة تعبير عما يحدث وعما يشعر به الناس بحلوه ومره ومفزعه.

لكن أدب الفانتازيا مساحة كبيرة منه موجهة إما للمراحل السنية الأولى (الأطفال والشباب) أو للتعبير عن أحلام قومية أو مجتمعية مضطهدة لذا تحتل العبرة الأخلاقية أهمية خاصة واهتمام كبير حتى لو وجدت على هامش الحدث.

ليس كقاعدة غالبة وإنما كظاهرة منتشرة.

مراعاة العاقبة الأخلاقية تظهر في تأثير هذه القوة على البطل، حيث تكون هي في حد ذاتها سببًا في تدميره (كما قتل وورمتيل باليد السحرية التي حصل عليها من فولدمورت في هاري بوتر) أو ينتهي الأمر بغدر الشيطان بالبطل في أحرج لحظاته وأحيانا تؤدي لانضمام البطل لجانب الشر بعد أن تلوث ضميره وضعف بفعل الصفقة والتأثير المستمر لاستخدام القوة.

هذا يمنح مساحة كبيرة لصراعات قوية حول وداخل البطل. رصد النمو التدريجي لتغير البطل من جانب الخير إلى الشر وتدمير صفاته الأصلية، ومعاناة من حوله بين ولائهم له وخوفهم منه وعليه والصراع داخل البطل بين لذة امتلاك القوة ونوازع الخير المهددة في داخله.

♦ الملاحظة الثانية:

احتمالية التأثير على البطل بالابتزاز. فالشيطان مانح القوة هو في النهاية عدو طبيعي يحاول الحصول على أكبر مكسب. استخدام هذا الابتزاز ينتج عنه صراعا داخليا بين مبادئ البطل والحفاظ على مكتسباته.

♦ الملاحظة الثالثة:

فتح هذه التقنية الباب لتقنية الإغراء. فالإغراء المستمر بالحصول على المزيد أو استخدام القوة للحصول على ما ليس حقه.

♦ الملاحظة الرابعة:

-اضطرار البطل لتضحية: حيث يرتبط اكتساب القوة دفع ثمن معين، أحيانا يكون هذا الثمن هينا في نظر البطل (إلى أن يتضح عكس ذلك) وأحيانا يكون ضخما يتطلب تضحية غير عادية.

في سلسلة هاري بوتر امتلك البطل جزءا من قدراته من عدوه اللدود فولدمورت (اكتسابًا عرضيًا وليس نتيجة صفقة متبادلة) وعانى البطل من نتائج هذا الاكتساب سواء بشكه المستمر في نفسه أو شك الآخرين فيه (بالذات في الجزء الثاني) ودفع ثمنًا باهظًا بالتضحية في الجزء السابع.

في لحظة معينة خلال الجزء الخامس جماعة العنقاء استغل فولدمورت هذه القوى ضد حاملها مما تسبب في خسارة رهيبة لهاري بوتر بمقتل والده الروحي سيريوس بلاك.

♦ الملاحظة الخامسة:

أن من المفاهيم الشائعة في الأدبيات الغربية ضمن صفقة الشيطان أن ثمنها يكون بيع الروح، بالنسبة للأدب العربي فهذا الاستخدام المادي (الحرفي لبيع الروح) يصطدم مع مفهوم المجتمع والدين السائد.

لذا فاستخدامه في الأدب العربي غير منطقي وصادم للقارئ الذي يعتبر بيع الروح عملية مجازية تعني تسخيرها في الشر أو في التكالب على الحياة الدنيا.

نكتفي بهذا القدر اليوم حتى لا نطيل عليكم ونؤجل للحلقة القادمة اثنين من أهم واشهر تقنيات الكتابة الفانتازية: تقنيات اكتساب القوة الخارقة وتقنيات الأنباء بالغيب نختتم بهما في الأغلب حديثنا عن التقنيات الأدبية الفانتازية.

نقلًا عن (فانتازيون(.

عن لأبعد مدى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.