التقنيات الفانتازية: (5) اكتساب القوة- محمد الدواخلي

تحدثنا في الحلقات السابقة  عن مجموعة من التقنيات الأدبية التي يستخدمها كاتب الفانتازيا للتلاعب بالنص، منها ما هو مرتبط بالزمن (والتلاعب بالزمن في صور التقديم والتأخير والتوازي والتمويه موجود لدى كل الكتاب، لكن في الفانتازيا يحدث تلاعب فعلي بالخط الزمني بما يتجاوز هذه التقنيات جميعًا) ومنها ما يرتبط بالتأثير على الحبكة كتقنيات العصمة والطلسم ومنها ما يرتبط بالمصداقية الفنية كالإيهام العلمي.

واليوم في الحلقة الأخيرة من (التقنيات الفانتازية) نتحدث عن مجموعة من التقنيات الهامة والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا ببناء الشخصية وبضمائر السرد:

9. تقنيات اكتساب القوة:

تحول البطل إلى بطل خارق يحتاج عادة لتمهيد وتفسير من المؤلف ربما يستغرق فصلا أو أكثر ضمن ما يمكن تسميته مرحلة التمهيد والزرع في الرواية، وضرورة ذلك تنبع من تفسير كيف يكتسب البطل القوة ولماذا يستخدمها في صالح الخير/ الشر/حل مآزقه الشخصية أو لا يستخدمها في بعض الحالات.

أ‌. القدرة العلمية/ شبه العلمية:

تدخل إلى حد كبير ضمن تقنيات الإيهام العلمي، فالحديث عن البطل القادم من كوكب آخر له خصائص مختلفة عن كوكبنا كما في سوبرمان يبدو منطقيًا، لكن تظل مسألة قدرته على الطيران والكثير من قدراته الخارقة أفكار فانتازية تتعارض مع أبسط قوانين المادة لا يقدر هذا التفسير العلمي على استيعابها.

الاندماج مع جينات مخلوقات أخرى كالرجل العنكبوت أو التعرض لإشعاع ذري في ظل ظروف معينة هي تقنيات تستخدم خصائص علمية لتصل لنتائج تتعارض مع أبسط قواعد العلوم. تشمل هذه التقنيات التفسير بمرض في المخ يضاعف قدراته والتعرض لمادة كيمائية خارقة إلخ.

ب‌. المهارة الفائقة:

بفضل ذكاء غير عادي أو مواهب قتالية فائقة يكتسب البطل براعة غير طبيعية أو أدوات بشرية تتيح له التفوق على أعدائه. لا فانتازيا هنا وإنما يدخل ضمن إطار المبالغة (الرجل الوطواط أشهر مثال).

ج. القدرات الخارقة المولود بها: القدرات العقلية على قراءة الأفكار مثلًا، يولد بها البطل دون تفسير أو بنسبها لحالة نادرة. أحيانا تكون موروثة.

د. المنحة:

المنحة الإلهية/ الإله/الآلهة/الولي الصالح/العالم العبقري/الساحرة الطيبة إلخ:

شخصية فائقة مانحة تقوم بمنح البطل قدرات خاصة لتعينة عل مواجهة أعداءه (قوة هرقل مثلًا).

هـ. انتزاع القوة من العدو:

حيث ينهزم العدو الخارق (ساحر/جني) فيتنازل عن قوته طلبا للحياة أو تنتقل قوته للبطل نتيجة اختلاطه بدمائه مثلًا (مثال حديث في حافة الغد اختلاط دماء البطل بالفضائي أكسبه القدرة على (إعادة الزمن).

و. المصباح السحري:

الاستعانة بأداة سحرية/تكنولوجية خارقة تتيح للبطل قدرات خارقة أو السيطرة على أشخاص خارقين. وأشهر نموذج هو مصباح علاء الدين وخاتم سليمان.

ز. المكافأة:

ترتبط بتحقيق أمنية خاصة لبطل و/أو كمكافأة له على اجتياز عقبة/إنقاذ شخص. تشبه المنحة في المبدأ لكنها كمكافئة على مجهود مسبق للبطل. أحيانًا هي والمنحة يتحولان لبلاء أو ابتلاء للبطل لاختبار كيفية تصرفه في الهبة/المكافأة.

ح. الصفقة:

يحصل البطل على القوة مقابل ثمن معين قد تكون مع عالم محايد أو غريم (الشيطان) أو طيب.

ط. الميراث:

يرث البطل قدرات والده الخارقة، أحيانًا لا يعرف هذا ولا يتعرف عليها لأنه في غربة عن عالمه الحقيقي.

ي. العدوى:

كمصاصي الدماء والمذءوبين حيث يتحول الشخص إلى الشر واكتساب قواه عبر العدوى، أحيانًا يرفض البطل رغم إصابته الانضمام للشر ويحافظ على نفسه مستعينا بأدوات أخرى لحماية البشر.

***********

هناك الكثير والكثير من التقنيات المستخدمة لتفسير اكتساب البطل للقوة، ولكن الأهم عند اختيار التقنية المناسبة للبطل (وهي مهمة دقيقة للكاتب) أن عليه دراسة تأثيرها على بناء الشخصية وتأثرها بهذه القوة والصراع النفسي المتعلق بها.

هذه أهمية قصوى للمؤلف وإلا تحولت لمجرد حدث ومصادفة خاليين من المعنى والقيمة الأدبية فاختيار أي مبرر للقوة وأي مبرر لتوجيهها في الخير أو الشر يخلق شخصيات مسطحة

كمثال: شخصية الرجل الوطواط أو بات مان، في المعالجات الأولى التبرير هو أنه وريث غني يملك شركات تكنولوجية ضخمة تساعده وسبب استخدامه لقوته هو أن والديه قتلا في عملية سرقة.

المعالجات الأولى اكتفت بهما كمبررين، خلقتا شخصيات سطحية للرجل الوطواط.

المعالجة الأخيرة في سلسلة فارس الظلام ركزت على جانب الانتقام، الروح الانتقامية الجائعة في قلب بروس واين التي تدفعه لهجر المال والثروة سعيا لحياة متقشفة تعيد تنظيم نظرته للحياة ككل، محاولة الانتقام الفردي من خصم محدد هو قاتل والديه ثم التحول لمواجهة فساد المجتمع بأكمله.

هذا الاهتمام بنمو الشخصية وبتأثير سبب اكتساب القوة وسبب استخدامها خلق شخصية أكثر عمقا وأفضل بكثير من شخصيات بات مان في المعالجات السينمائية السابقة.

هناك ملاحظات أخرى يقابلها الكاتب في شخصياته:

على سبيل المثال في حالة اختيار الأصل الفضائي للبطل الخارق، على الكاتب الاهتمام بحالة الغربة المنطقية التي سيشعر بها البطل، فهو غريب عن عالمه، متفرد، ليس له قرين أو قرائنه قلة. بل قد يكون أقرانه يقفون ضده محاولين إيذاء البشر (الغرباء عنه) قوته الهائلة في هذا العالم الغريب تحتاج لكابح لسيطرة عليها. كان هذا الكابح في حالة سوبرمان مثلا والديه بالتبني الذين أحسنا تربيته. بينما من أنوا لأرض من كوكبه وهم بالغون سيطرت القوة الهائلة عليهم وأسرعوا للتدمير والسيطرة.

رغم ذلك أهملت معالجة سوبرمان هذه العلاقة الفريدة بين سوبرمان وخصومه القادمين من نفس الكوكب، فهم أعدائه لكنهم أقرانه الوحيدون المشابهون له في الجلدة والطبيعة.

كذلك تم إهمال مواجهة الصراع الداخلي بين سهولة استخدام القوة وبين عدم فرضها على الآخرين وإن استعان بها مسلسل سمولفيل الذي تحدث عن مراهقة سوبرمان وصدامات هذه المرحلة الحرجة.

ملاحظة أخرى عن البطل الذي يكتسب قوته عبر المنحة هي إحساسه بأنه مدين دومًا لمن منحه هذه القوة بما قد يؤثر على استقلالية شخصيته أو تمردها العكسي الغاضب ضد من يدين له بالولاء. قد تتفاقم مشكلة صراع (الولاء والرغبة في الاستقلال) مع تزايد انتصارات البطل التي تعزز فخره وشخصيته لكنها في النهاية يمكن أن تنسب لصاحب المنحة بما يخلق دائرة صراع بين العرفان والنقم.قد يصل الصراع لذروته بمواجهة صاحب المنحة نفسه.

أما البطل الذي حصل على قوته بالانتزاع أو المكافأة فهو أكثر عرضة للغرور والتعالي بقوته، فإن كان قبل الحصول على هذه القوة تابعا فمن الطبيعي أن يسعى للقيادة، وقد يؤدي هذا لصنع فخ يؤدي لهلاكه!

توقيت منح القوة مؤثر أيضا على شخصية البطل. ففي حالة اكتشاف القوة فجأة مع عدم فهمها أو معرفة أبعادها واستخداماتها يستغرق البطل وقتا في التعرف عليها مما يجعل تفاعل القوة مع شخصيته بطيئا يمنحه فرصة أكبر للنضج. المنح الكامل المفاجئ مع الاستخدام الفوري يعني تغيرات عنيفة في الأرجح. ميلاد البطل بالقوة وسط أقران يضعه في دائرة التنافس بينما ميلاده وسط أشخاص عاديون يصنع حوله دائرة من العزلة تختلف بين الإحساس بالتفوق والإحساس بالغربة.

القوة إن كان لها أثارا سلبية تؤثر على المحيطين به تعني بالتأكيد نمو تدرجي لكراهية الذات والرغبة في الانتقام من النفس الذي قد ينعكس في الانتقام من الآخرين.

في تقنية المصباح السحري يعتمد البطل اعتمادا كليا على أداته السحرية حتى أنها تلغي تقريبًا مكوناته الشخصية وتصنع منه شخصية اعتمادية على الغير هذه الشخصية الاتكالية تتعرض لأزمة مدمرة حين افتقاد القوة، تصل لدرجة الإدمان الساعي لاستعادتها بأي ثمن. هي أزمة نفسية غير عادية من الصعب تخطيها.

كخلاصة تقنيات اكتساب القوة وما يصاحبها من مبررات الاستخدام تمثل مرحلة دقيقة للكاتب لصقل ورسم شخصية بطله بما تعاني منه من صراعات داخلية وخارجية.

نقلًا عن (فانتازيون(.

عن لأبعد مدى