التصوير الضوئي في الخيال العلمي

♠ كتب: د. سائر بصمه جي.

التصوير الضوئي Photography هو تقانة تسجيل الصور الضوئية بواسطة مواد كيميائية حساسة للضوء، بحيث يمكننا إنتاج صور بوساطة تأثيرات ضوئية؛ فالأشعة المنعكسة من المنظر تكوِّن خيالًا داخل مادة حسّاسة للضوء، ثم تُعالَج هذه المادة بعد ذلك، فينتج عنها صورة تمثل المنظر.

إن مفاتن هذه التقانة أظهرتها الحجرة المظلمة، وهي حجرة مظلمة ذات ثقب صغير في أحد الجدران تمكن من تسليط الصور المقلوبة لأشياء خارج الغرفة على الجدار المقابل.

اكتشف الحسن بن الهيثم مبدأ هذه الحجرة، ثم ظهرت تصاويره في عصر النهضة الأوربية ضمن أحد دفاتر ملحوظات ليوناردو دافنشـي، ثم وضعت عدسات في هذه الثقوب في القرن السادس عشـر، من قبل جيوفاني ديلابورتا وآخرين.

أشكال مختلفة للأداة البصرية استعملت من قبل الفنانين في القرن السابع عشر وربما في وقت أبكر بكثير. لكن تقنيات تثبيت هذه الصور استبقت في عدد من الأعمال الأدبية التي أنتجت في القرن الثامن عشر، تتضمن (جيفانتي) لـتيفايجين دي لا روش عام 1760.

اسوداد أملاح الفضة لوحظ في القرن السابع عشر مع أنه لم يكن واضحًا فورًا أن التأثير سببه الضوء بدلًا من الحرارة، والاستعمال الأول لأملاح الفضة لأسر صورة ضمن كاميرا كان في عشرينيات القرن التاسع شعر لكن عملية التظهير والتثبيت لم توصف حتى عام 1839 وذلك من قبل لويس داغير.

الصور من نوع داغير كانت مقلوبة في المرآة، إلا أن ذلك عولج بطريقة Calotype في التظهير والتثبيت التي كان رائدها وليم فوكس تالبو في عام 1840.

إن اختراع نوع Calo ونوع داغير حث على التعاظم السريع في البحث الكيميائي الضوئي الذي كان يرعى تجاريًا. وقد بسطت إمكانيته في (رسالة مبسطة في فن التصوير الضوئي) عام 1841 لروبرت هونت.

استعملت التقـانة الجديـدة لعلـم الفـلك من قبـل جون وليم درابر الذي كان رائدًا أيضًا في التصوير الضوئي المطيافي المتعلق بالتحليل الطيفي باستخدام المطياف في عام 1844، وقد صنع ابنه هنري الصور المجهرية الأولى في عام 1850 عندما كان في الثالثة عشرة من عمره.

تبني التصوير الضوئي في العلم الشرعي كان أيضًا سريعًا جدًا، وقد جمعت صالات العرض الأولى للصور الضوئية للمجرمين في خمسينيات القرن التاسع عشر، وفي عام 1851 أدخلت الشرائح غير الجافة من قبل سكوت أرشر وأصبحت طريقة التسجيل القياسية بسبب سرعة تفاعلها مع الضوء.

تظهير الشرائح غير الجافة كان عليه أن يكون فوريًا إلا أن التصوير الضوئي الصحفي نهض سريعًا، مع ضرورة نقل الغرف المظلمة قابلة للحمل. إن الطبيعة المرهقة للتقانة لم تمنع ماثيو برادي من صنع تسجيل فوتوغرافي للحرب الأهلية الأمريكية، التي تحيى ذكرى دلالتها بجد في (صالة عرض أحلامه) عام 1991 لكريستين كاثرين روش.

شرائح التصوير الضوئي الجافة القابلة للتخزين ومن ثم لإنتاج الجملة سوقت للمرة الأولى في عام 1873، مع أوراق قابلة للتظهير من أجل الطباعة الفوتوغرافية.

أما الشرائح الحساسة لأجزاء مستقلة من الطيف اللوني وضعت في الاستعمال للمرة الأولى في منتصف ثمانينيات القرن التاسع عشـر، إلا أن الشرائح الحساسة لجميع الألوان المرئية في الطيف لم تصبح متاحة عمومًا حتى عام 1904.

إن المصورين الضوئيين الهواة المبكرين يتضمنون تشارلز لوتفيدج دودغسون وعمله (التصوير الضوئي لـهياواتا) عام 1887 (في الإيقاع؟ والعقل؟) هو احتفال بـوصف متقنين للتقانة. الانتقال من الشرائح الزجاجية إلى السليوليد كانت رائدته شركة إيستمان- كوداك في أواخر ثمانينيات القرن التاسع عشر، وقد فتحت التقانة الجديدة الطريق لتطوير التصوير الضوئي السينمائي.

الكاميرات المحمولة باليد ذات المصاريع الآلية طورت للمرة الأولى في منتصف القرن، إلا أن الكاميرا الصندوقية إيستمان-كوداك طرحت في الأسواق  في عام 1888 وكيفت للفات فيلم من السليوليد في عام 1891، تدعمها خدمة التظهير والمعاملة التجارية، التي قدمت تشجيعًا ضخمًا للتصوير الضوئي للهواة.

التحدي الذي طرحه التصوير الضوئي للتصوير الزيتي، كان عاملًا مهمًا في تطوير مدارس الفن التجريدية. إن أثره في تزويد المادة اللاخيالية بالرسوم التوضيحية، عبر الطيف الكامل الممتد من النشر العلمي إلى الصحافة الشعبية إلى فن التصوير كان ضخمًا.

شرائح التصوير الضوئي قامت أيضًا بدور رئيس في توسيع الطيف الكهرطيـسي عندما سهلت اكتشاف الأشعة السينية في عام 1895.

إمكانية توسيع قدرة جهاز التصوير الضوئي أصبحت موضوعًا مهمًا في الخيال التأملي في القرن التاسع عشر. تتضمن الأمثلة البارزة (صندوق جون بوليكسفن) عام 1876 لدبليو. روديس، و(الكاميرا Palaeoscopic) عام 1881 لـروبرت دونكان ميلن، و(الاستبصار الكيميائي) عام 1890 لإدوارد فان زيل، و(مجاب في الصورة السلبية) عام 1892 لـماري بلات بارميل.

أحد التخصيصات الأكثر تحمسًا للتقانة هو استخدامها من قبل الأرواحيين والباحثين في الحساسية أو الاستجابة للمؤثرات الروحية أو الخارقة للطبيعة الذين يستقصونهم. وفي هذا السياق فإن تطوير التصوير الضوئي الخادع صنع تقدمًا سريعًا جدًا، منتجًا “صورًا ضوئيةً للروح” لا تعد بواسطة الكشف المزدوج.

ومع تطوير التصوير الضوئي بالأشعة السينية أعلنت عنه فورًا قصص مثل (تصوير غير المنظور) عام 1896 لـجورج غريفتن الذي كان حافزًا كبيرًا لآمال الباحثين في الحساسية أو الاستجابة للمؤثرات الروحية أو الخارقة للطبيعة بالإضافة إلى الخيال التأملي، وحاثًا في الوقت نفسه لخيالات مسرفة مثل (اعترافات عالم) عام 1898 لـتشارلز ملفيل شيفرد، و( تصوير الشبح) عام 1899 لـوالتر هريس بولوك، و(الصور الضوئية) عام 1900 لـريتشارد مارش، و(الكاميرا السحرية) عام 1904 لـفرانك أتكنس، و(مظهِّر ميتشنسون) عام 1906 لـفيكتور هويتشبروش.

هذه الآمال بقيت بشكل كبر غير محققة، مع ظهور ابتكارات مثل التصويرات الفوتوغرافية للـ”هالات” الشخصية لـسميون كيرليان في عام 1939، والإدعاءات التي صنعت من قبل في ستينيات القرن العشرين فيما يتعلق بقدرته على إنتاج صور فوتوغرافية بقوة الفكر (النية)، لكن الموضوع استمر في البروز على نحو غير متوقع في أعمال خيال مثل (كاميرا مونتافاراد) عام 1959 لـفرام دايفيدسون.

التصوير الضوئي للروح تمتع بفرصةٍ جديدةٍ للعيش بعد عام 1918، بينما كانت العائلات تأسى لمصائب الحرب العالمية الأولى. إن الآمال اليائسة التي دعمها التصوير الضوئي الخادع في تلك الفترة ساعدت خداعات غير محتملة وصارخة مثل “جن كوتنغلي” المشهورين الذين أعلم بهم بثقة السير آرثر كونان دويل.

حلول السينما جعل من الواضح سريعًا ما هي التأثيرات أو المظاهر التي يمكن الحصول عليها بواسطة “التصوير الضوئي الخادع”، والقول المأثور بأن “الكاميرا لا يمكن أن تكذب” فضح سريعًا بأنه كذبة في حد ذاته.

مع أن هذا الفضح لم يؤثر في فائدة الصور الضوئية كأدوات قصصية. طوال القرن العشـرين فإن الصور الضوئية “المعرضة للشبهة” بقيت الوسيلة الأكثر أهمية لابتزاز المال بالتهـديد بفضيحة خاصة في الخيال.

الصور الضوئية تعمل أيضًا روتينيًا في الخيال كحوافز للتحقيق وكوسائل للتحقيق. إن قدرة الصور الضوئية على أسر وحفظ لحظات خاصة، عزز بكثير بحلول الكاميرات المستقطبة في عام 1947، وزيد إلى مدى أبعد بتطوير الكاميرات الرقمية في ثمانينيات القرن العشـرين القادرة على نقل الصور مباشرة إلى الحاسبات الشخصية ضمنت اكتشاف صور ضوئية مظهرة سوف يبقى أداة رفع مفيدة في الحبكة الروائية في جميع أنواع الخيال في القرن العشرين.

استعمال التصوير الضوئي في الانتهاك المتعمد للسرية ازداد على نحو مثير عندما تقدم القرن، منتجًا في آخر الأمر جماعات من الـبابارزي Paparazzi الذين يتألف عملهم من التصوير الفوتوغرافي للأشخاص الذين كان الشعب مهتمًا بهم، عاكسًا الدور الرئيسـي للوسائل المرئية كسماسرة للشهرة ورداءة السمعة.

من ناحية الأخرى، فإن بينة لافتة للنظر على مدى الامتصاص غير المدروس للكاميرا في بنية التجربة اليومية قدم في السنوات المبكرة من القرن الواحد والعشرين بواسطة اللقطات الفوتوغرافية بجرائم الحرب التي أخذت مصادفة، ثم سلمت للنشـر التجاري من قبل الجنود في العراق.

فائدة الصور الضوئية كأدوات قصصية  انطلق على متنها بسرعة في القصة الخيالية الجامحة في موضوع “الصورة الضوئية المستحيلة” وفيها فإن صور ضوئية منطوية على مفارقة تاريخية (أي موضوعها في غير زمانها الصحيح) مثل تلك التي أبرزت في (الكاميرا التنبؤية) عام 1923 للانس سيفكنغ، أو الصور الفوتوغرافية لكينونات مستحيلة تستعمل كمصادر للغز أو كإظهارات ذروية.

الوسائل المرئية أنتجت شكلًا مختلفًا مهمًا في الصورة الضوئية المتبدلة، التي صورها تخبو أو يعاد ترتيبها عندما يتغير التاريخ من قبل المسافرين في الزمن، كما في تكملات (إلى الوراء إلى المستقبل) بين عامي (1987- 1990).

مع أنها مثيرة بدرجة أقل بكثير في الخيال النصي، إلا أن هذه المفاهيم تظل قابلة للتطوير المهم في ذلك المكان، كما في (الصور الضوئية لكاساندرا) عام 1987 لـليزا غولدشتاين.

الابتكار الفوتوغرافي الذي توقع على نحو أكثر شيوعًا في الخيال التأملي في القرن العشـرين هو التصوير الضوئي ثلاثي الأبعاد وهو توقع تحقق فقط جزئيًا بتطوير دنيس غابور في 1948 للهولوغرافي، والذي تتضمن الأمثلة البارزة للمكشاف واسع النطاق في (لا تصور) عام 1955 لـروبرت زاكس.

وثمة تقديرًا استقرائيًا غريبًا أكثر للتقانة يصور في (ألبوم الزفاف) عام 1999 لـديفيد مورسك. ونسخ معقدة من موضوع الصورة الضوئية المستحيلة تتضمن (الصورة الضوئية للماراثون) عام 1974 لكليفورد سيماك، و(RAW) عام 2005 لدانييل غروتا.

الأهمية الضخمة للتصوير الضوئي في علم الفلك تعرض بوفرة في محفوظات من الصور الضوئية جمعت بواسطة مقراب الفضاء هابل، وقد كملت على نحو متزايد في القرنين العشـرين المتأخر والواحد والعشرين المبكر بصور بضوئية مأخوذة بواسطة سوابير فضائية أطلقت في مدار في عوالم أخرى وأحيانًا بواسطة مركبات تهبط على السطح.

الصور الضوئية المأخوذة أثناء عمليات الهبوط على سطح القمر تبقى أيقونات إنجاز مهمة، مع أنها تصبح أيضًا الأساس للاشتباهات الشكوكية بأن المهام كانت زائفة.

يبدو أن قدر التصوير الواقعي أن يبدأه العرب ويصل به لذروته العرب أيضًا، فقد حصل العالم الأمريكي (مصري المولد) أحمد حسن زويل على جائزة نوبل لعام 1999 لتطويره تقنية عرفت باسم “أسرع آلة تصوير في العالم”، وقد استطاع زويل بهذه التقنية تحديد حركة الذرات في الجزيء خلال التفاعل الكيميائي.

عن لأبعد مدى