الثلاثاء , يوليو 16 2019

(الإعلام العلمي والانفتاح على الثقافات الأخرى): صلاح معاطي

في الثمانينيات من القرن الماضي قرأت كتابًا مهمًا للكاتب الأمريكي آلفين توفلر بعنوان “صدمة المستقبل” حيث يتحدث الكاتب عن أمواج التغيير والسبل التي نستطيع بها أن نتكيف مع المستقبل في ظل التغييرات المتلاحقة في كافة المجالات سواء كانت علمية أو اجتماعية أو سياسية. وكان من بين أفكاره الأساسية أن العلوم والتكنولوجيا بمختلف أفرعها تحولت إلى أداة تضرب الكثير من الأسس القديمة والتقليدية السائدة بالمجتمع البشري وتعيد تشكيلها وفق مفاهيم ومنظومات جديدة، بعدما ارتقى تأثير العلم والتكنولوجيا إلى مستوى إعادة صياغة السياسة والاقتصاد والإعلام والصراعات وجهود التنمية وأصبح لاعبا أكبر في ظواهر الفقر والغنى.

ثم أتبع ذلك بكتابين آخرين لا يقلان أهمية عن صدمة المستقبل ،الأول هو كتاب “تحول السلطة” ،وفيه يتحدث الكاتب عن التحولات الكبرى الحالية وتصورها من منظور استراتيجي ودور الإعلام في إحداث هذه التحولات التي لها تأثير كبير على المجتمعات، أما الثاني فهو كتاب “الموجة الثالثة” الذي يتنبأ فيه الكاتب بالثورة المعلوماتية القادمة مع الألفية الثالثة في ظل إعلام يتسم بالشدة والعنف.

واسمحوا لي أن أستعير من الكاتب عنوان كتابه الأخير لأطلقه على مقالي هذا مع بعض التغيير لأقول: (الموجة الرابعة.. الإعلام المصري والانفتاح على الثقافات الأخرى).

فمع التطورات السريعة والمتلاحقة في وسائل الإعلام سواء كانت مسموعة أو مرئية أو مقروءة أو إلكترونية نجد أن الإعلام بصفة عامة دخل في صراع محموم وسباق خطير لا يقل بأي حال من الأحوال عن سباق التسلح الذي تسعى إليه الدول الطامحة للسيادة والسيطرة على العالم. وتتحدد قوة الدولة بمدى استخدامها وتملكها لوسائل الإعلام لتكون قادرة على الوصول إلى أي بقعة تريد وتكون لديها القدرة على التأثير في الرأي العام وتوجيهه بما يحقق أهدافها ومصالحها..

وقد رأينا كيف أن دولة بل دويلة لا تكاد تظهر على الخريطة بتملكها لوسائل الإعلام تستطيع أن تؤثر في الرأي العام لبعض الدول بل وتقوم بعملية توجيه لهذا الرأي العام مستخدمة كل الأساليب السلبية المعروفة في الإعلام كالشائعة والمبالغة والتهويل والتهوين.. إلخ ومن بين هذه الأساليب التوجيه.. وإذا اعتبرنا أن التوجيه هدف من أهداف الإعلام التقليدية والتي درسناها قديمًا كالإرشاد والإعلان والإخبار والترفيه فإني أرى أن الهدف الأهم الذي ينبغي الاهتمام به في هذه المرحلة هو التنمية وإذا كنا نتكلم عن الإعلام المصري فإنه يقف في منطقة وسطى بين التوجيه والمهنية ينقاد أحيانًا كثيرة إلى التوجيه ويأمل في تحقيق أعلى درجات المهنية في ظل إعلام حر ينقل الحقيقة بحيادية. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بالانفتاح على الثقافات الأخرى.

وإذا كنت قد بدأت كلمتي بالحديث عن التطورات العلمية في مجال الإعلام ،فلابد أن يكون الانفتاح على الثقافات الأخرى من منظور علمي.. بمعنى أن يكون لدينا ثقافة علمية تواكب ما وصل إليه الآخرون.

فمن خلال إعلام علمي متميز يؤدي للتواصل المستمر بين الحركة العلمية والجمهور غير المتخصص، حتى أصبح الحديث في الشأن العلمي يشمل مفردات المعيشة اليومية لعامة الشعب. بينما نظرة سريعة لواقع الإعلام العلمي العربي، تبين لنا أن العلم يظهر دائمًا على استحياء في وسائل الإعلام العربية، كما أنه مازال محدودًا وقاصرًا عن اللحاق بركب التقدم العلمي والتكنولوجي المتسارع، فما زال المفهوم التقليدي للثقافة محصورًا لدينا في التاريخ والتراث.

لكن اذا نظرنا لواقع اعلامنا العلمي العربي عمومًا نجد أنه، رغم الجهود المبذولة، لم ينجح في أداء دوره المنشود في نشر الوعي العلمي بين عامة الشعب، وقد يرجع ذلك لغياب المناخ العلمي العام، الذي يساعد على استيعاب مفاهيم العلم والتكنولوجيا الحديثة، كما أن نظم الإعلام العربية تخلو من الكفاءات العلمية القادرة على القيام بدورها، فالإعلامي العلمي العربي لم يعد أو يدرب الإعداد والتدريب الكافي لأداء مهنته وكيفية اتصاله بالجماهير، وهو ما يدخل ضمن مجال مهم يعرف بالاتصال العلمي Science Communication، فكليات الإعلام قد لا تهتم كثيرًا بإعداد الإعلامي المتخصص.

فالبرامج العلمية في الإذاعة والتليفزيون تعاني من غياب المحرر العلمي الكفء ، كما أنها عاجزة عن إعداد برامج وأفلام علمية متميزة تعبر عن بيئتنا العربية وتثير في المستمع أو المشاهد الرغبة الحقيقية في معرفة طبيعة وأسرار العلم والتكنولوجيا، وما زالت تغطية أخبار العلم والتكنولوجيا في وسائل الإعلام العربية عمومًا أقل مما يجب، ولا تلاحق اتجاهات العلم والتكنولوجيا الحديثة وقد لا يملك الإعلامي العلمي الخبرة الكافية لتغطية مجالات علمية مهمة وحديثة، وهو في الوقت نفسه مقيد بجدول زمني ومساحة صغيرة، ولغة مبسطة يفهمها الجمهور غير المتخصص.

إن رسالة الاعلام العلمي رسالة هادفة لأنها تتصل بالإنسان وفكره وعقله وحياته، لأنها أداء تنوير له تجعله يقف مع الحقائق العلمية يوما بيوم وساعة بساعة، لذلك فإنها مطلوبة على جميع المستويات، المرئي والمسموع والمقروء منها، إن الذين يملكون وسائل العلم والتكنولوجيا هم فقط القادرون على اتخاذ قراراتهم.. من هنا يجب أن نتساءل كيف نعرف حجم المسئوليات الملقاة على عاتق الإعلام العلمي.. وحجم المهام التي يجب أن ينجزها الإعلاميون والقائمون على إنتاج البرامج العلمية بالإذاعة والتليفزيون والأهداف التي يجب تحقيقها من هذه البرامج.

الثقافة العلمية في العالم العربي:

تحتاج الثقافة العلمية في العالم العربي إلى جهود مكثفة لكي تحتل مكانها المناسب في إطار الثقافة العامة السائدة ، ولن يأتي ذلك إلا في وجود استراتيجية وتخطيط واهتمام من جهات متعددة تشمل التعليم بكل مراحله، والإعلام بكل وسائله والأنشطة العامة التي يتولاها القطاعان الخاص والعام بكل أشكالها.

إن الافتقار إلى البعد الثقافي العلمي في ملامح الثقافة العربية أمر واضح للعيان ويتطلب الأمر توجهات صادقة للتغلب على هذا القصور ، فلا يمكن لثقافة أن تنمو وتترعرع بانسجام وتناغم مع معطيات الحياة المعاصرة ومتطلباتها دون أن تستوعب ضمن أطرها العامة وتكويناتها الداخلية ملامح ثقافة علمية متنامية.

فلدينا إعلام علمي خجول مقطوع الصلة تقريبا بقضايا التنمية ويميل إلى ثقافة الاستكانة، بل إنه بعيد عن اهتمامات المواطن العادي فأصبحت هناك هوة سحيقة بين المثقف المهتم بالقضايا العلمية والمواطن الذي يحتاج إلى تنمية قائمة على هذه التصورات العلمية.

ما المقصود بالإعلام العلمي؟

المقصود به هو الإعلام العلمي الجماهيري الذي يشمل الكتب العلمية والتكنولوجية المبسطة، والصفحات العلمية بالصحف والمجلات، والبرامج الإذاعية و التليفزيونية، والوسائط المتعددة من أقراص مدمجة أو أفلام تسجيلية، وأخيرًا مواقع الإنترنت التي تجمع كل ذلك. إذ لا يكاد يبزغ فجر أو تشرق شمس حتى يتوصل العلماء في كل أصقاع الدنيا إلى العديد من الاختراعات المبتكرة المتفردة، تدفع بحياة الناس اليومية إلى دروب جديدة في عالم المستقبل وتضع آفاقا رائعة للزمن الآتي ومجتمع الغد. وهنا يلعب الإعلام العلمي دور اللاعب الرئيس في تقريب العلم للجماهير بأسلوب مبسط ومشوق، والتعريف بكل ما هو حديث متطور في المجالات العلمية والتكنولوجية وذلك من خلال وسائل الإعلام آنفة الذكر.

هدف الثقافة العلمية تقريب العلم لعامة الناس على مختلف مستوياتهم بأسلوب مبسط عما هو حديث ومتطور في المجالات العلمية والتقنية، وذلك من خلال وسائل الإعلام المختلفة المقروءة منها والمسموعة والمرئية. رسالة الإعلام العلمي رسالة هادفة لأنها تتصل بالإنسان وفكره وعقله وحياته.

وفي ضوء ما طرحناه عن أهمية الإعلام العلمي ودوره في الانفتاح على ثقافات الشعوب، وما أبرزناه من دور حيوي للثقافة العلمية في الإسهام في تهيئة البيئة المناسبة للحركة العلمية، مما يمكن من صناعة رؤية استراتيجية تهتم بتعزيز العلوم والتقنية، وبناء الجسور بين (العلم والمجتمع)، لتحتل القضايا العلمية والتقنية موقعًا حيويًا في التفاعلات الثقافية والتعليمية والاجتماعية والتنموية وغيرها، فقد أشار الإعلاميون والباحثون و الأكاديميون في أكثر من مناسبة في الوطن العربي

حين نستعرض واقع الإعلام العلمي العربي نجده بكل أسف واقعًا مرًا، فرغم المساحة الهائلة للوطن العربي وامتداده من المحيط للخليج واحتلال رقعته الشاسعة تلك 22 دولة تمثل مجموع الدول العربية، رغم كل هذا لا يزيد في الحقيقة ما يصدر منها عن 15 مجلة علمية عامة على أكثر تقدير تم رصدها وتحديد بلد الصدور وفترته ومجال الاهتمام بكل منها، هذا فضلاً عن بضعة مجلات أخرى متنوعة المحتوى تخصص على مضض فصلاً أو بابًا للعلوم، وحفنة إضافية تصدر في تخصصات دقيقة ومحددة وهي بالتالي تتسم بالخصوصية الشديدة؛ ومن ثم لا تناسب إلا ثلة من المهتمين دون الغالبية.

ولا عجب إذا علمنا أن نصف هذه الإصدارات -على الأقل- يتعثر ويتأخر في الصدور أكثر مما ينتظم، كما أن نسبة كبيرة منها تعاني مصاعب مالية جمة؛ وهو ما قد يودي بمصيرها إلى التوقف والنسيان. أما أكثر ما يثير العجب فهو غياب تلك النوعية من الإصدارات العلمية في أكثر من بلد عربي!.

أما عن الاهتمامات العلمية للصحف العربية فحدث ولا حرج، فبرغم أن الصحافة العربية عمومًا قد شهدت في الفترة الأخيرة تطورًا واضحًا وطفرة محمودة من حيث الشكل والمضمون، فإن التطور في الصحافة العلمية بالذات لم يكن مواكبًا لتلك المسيرة، ولم يكن على نفس المستوى، اللهم إلا بعض الاستثناءات في بعض الصحف ليس إلا.

فمن بين أكثر من 120 جريدة عربية موجهة للعقلية والفكر العربي، لا يزيد عدد الصحف (الجادة) منها في إصدار صفحة متخصصة أو باب يوميًا أو أسبوعيًا للحديث عن العلوم أو التكنولوجيا عن 20 جريدة لا أكثر، تم رصدها وتحديد بلد الصدور وفترته. أما البقية فهي للأسف مغيبة ولا يعد العلم أو أي من فروعه من أولويات اهتمامها.

وفيما يتعلق بحال ومستوى الصفحات العلمية المشار إليها، فاللافت للنظر أن معظمها أو قل كثيرًا منها ما زال غارقًا في الكلاسيكية والنمطية. معظم أخبارها وتحقيقاتها وموضوعاتها تتسم بالسطحية والتجرد من أية رسوم بيانية أو أشكال توضيحية أو بيانات موثقة يمكن أن تجذب القارئ أو تسهل مهمته في استيعاب المعلومة أو الإلمام بالموضوع.

كما أن كثيرًا منها يهتم بالشكليات والمسميات أكثر مما يهتم بالمضمون والهدف، لذا فإننا كثيرا ما نفاجأ بتقلص حجم كثير من تلك الصفحات إلى عمود متواضع أو ربع صفحة بدلاً من صفحة كاملة.

لا تعني الأرقام والإحصاءات المشار إليها سابقًا سوى أن كلًا من الطالب والمطلوب في هذه القضية ضعيف وليس له فعالية أو وجود يذكر، فلا القارئ يقرأ، ولا أدوات النشر كافية أو مرضية من حيث الشكل أو المضمون.

وبهذه الطريقة يُغيب الوعي العلمي ودور العلم وتطبيقاته عن إدراك الشخصية العربية فهي في الأصل لا تقرأ، وإن قُرئت لا تجد عادة ما يروي ظمأها للمعرفة والعلم، وإن وجدته يعتريها عادة مصاعب جمة في فهم محتوى المقالات والمواضيع العلمية المطروحة؛ نظرًا لجفاء أسلوب بعضها أو سوء ترجمة بعضها الآخر أو أحيانًا عدم استيعاب الكاتب للموضوع مع افتقار المادة المكتوبة للإحصاءات أو الرسوم التوضيحية. لذا فإن كثيرًا من الموضوعات العلمية المنشورة في تلك الصفحات تثير في الواقع غموضًا ولغطًا أكثر مما تقدم حقيقة أو معلومة. من هنا تبدو حالة الصحافة العلمية العربية أقرب حاليا للعدم منها للوجود (الحقيقي).

– خاتمة:

إن القضايا العلمية الملحة والمستجدات والاختراعات الحديثة قد فرضت نفسها وبقوة على مراسم حياتنا بل وعلى أجندة أحاديثنا اليومية. فغزو المريخ ووصول “سبريت” وأخواته مثلا إلى ذلك الكوكب الغامض قد فرض نفسه على اهتمام العامة والخاصة في العالم أجمع، كما أن مشاكل التلوث الهوائي والسحب السوداء وغيرها قد كتمت أنفاسنا، وتوغلت آثارها في جميع شعاب أجهزتنا التنفسية؛ وهو ما اضطر الجميع للتساؤل ما السبب؟ وكيف تحدث؟ وما سبيل الخلاص منها؟! وليست هذه إلا بعض الأمثلة على أهمية التثقيف العلمي لسلامتنا وحياتنا اليومية.

من هنا فإن الصحافة العربية العلمية والإعلام العربي العلمي على وجه العموم مطالب بتفعيل دوره في إثراء جوانب المعرفة لدى المواطن العربي، والذي هو مطالب أيضًا بإعطاء العلم وتطبيقاته مزيدا من الاهتمام، ولن يتحقق هذا إلا عن طريق تحسين الأداء شكلاً ومضمونًا.

عن لأبعد مدى