ورشة هندسة المبادرة الثقافية جـ 3: (الاستراتيجية)

• لمطالعة الفصول السابقة.

• لتحميل كامل محتوى كتاب (خط الثقافة المستقلة: القاهرة- أسوان) PDF.

بعد أن تضع نصب عينيك؛ الرؤية Vision والرسالة Mission، تكون قد تخطيت القسم النظري.. الهلامي، وبدأت الدخول في مراحل أكثر تحديدًا. هكذا يجئ الدور على لفظة جديدة.. (الإستراتيجية)، وتعني:

-رسم خطواتنا بعيدة المدى، لتحويل الرؤية Vision إلى واقع.

يقابلها على النقيض، مصطلح: (تكتيك).

قرأت توضيحًا سلسلًَا للفرق/ العلاقة بين الاثنين، من خلال قصة تنتمي إلى الحرب العالمية الثانية، عندما عجزت مضادات الدبابات النازية (37 مم) عن مواجهة ضغط الحلفاء، فلجأ القادة الألمان إلى تكتيك عبقري، لم يخطر ببال أحد قبلًا، إذ خفضوا فوهات مضادات الطائرات الـ  88 مم، ليستعملوها ضد المدرعات، مما حقق تقدمًا ساحقًا.

فيما بعد، وقع (هتلر) في نفس الخطأ الذي سبقه إليه (نابليون) قديمًا، عندما قرر غزو الاتحاد السوفيتي، فسقط في فخ شتائه القارص، لتندحر ألمانيا، وتخسر الحرب.

هذه القصة تشرح الفارق بين الإستراتيجية والتكتيك. يقال أن ألمان امتلكوا قادة متفوقين على المستوى التكتيكي “قصير المدى”، غير أنهم هزموا نتيجة قصور في إستراتيجية (هتلر) “بعيدة المدى”.

علّق الكاتب (محمد الدواخلي)، حول هذه النقطة:

– لو قرأت مذكرات (روميل) (وهو كتاب مهم، لأي كاتب يفكر أن يخلق معارك كبرى في روايته)، ستجده يعلق بأن: الانجليز ضعفاء في التكتيك، إلا أنهم عباقرة في الإستراتيجية, كما يضيف: أن تفوقهم في الإستراتيجية هو ما يعوق التكتيك غالبًا، لأن التزامهم الاستراتيجي يجبرهم على التخلي عن انتصارات ممكنة قريبة، ما أدى بهم -على المدى الطويل- لخسارة الاثنين.

عند التخطيط لإستراتيجية لمشروعك، يجب الوضع في الاعتبار؛ (نقاط قوتك Strengths)، (ضعفك Weaknesses)، بالداخل.

بالتوازي مع حساب (الفرص Opportunities ) و(المخاطر Threats) بالخارج.

يختصرهم الفرنجة عن طريق أخذ أول حرف من العناصر السابقة، ليطلقوا عليها: أداة التحليل الرُباعي (SWOT).

• نقطة نظام:

يمتلك كل منا منطقه وطريقته في التخطيط، التي قد تختلف مع ذاك الـ (SWOT)، أو تتفق. بل قد يُفاجئ أحد الحاضرين: أنه يمارس نفس المنهج –تقريبًا- بالفطرة منذ وعى على الدنيا. كل ما هنالك، أنه لم يعلم بكونه أسلوب علمي/ مُتداول في الورش/ يطلقون عليه تسمية مختصرة، بحروف إنجليزية كبيرة (Capital).

ينطبق نفس المبدأ على محتوى الورشة ككل: من (رؤية)، (رسالة)، (إستراتيجية)، إلخ.

أحيانًا، يعجز بعضنا عن التعبير، عندما تطرح عليه مثل تلك الأسئلة الوجودية الهلامية، من نوعية: ما الغرض من مشروعك؟ أين تود أن تكون بعد خمس سنوات؟”

لكن…

– عدم القدرة على ترجمة (تصوراتنا)، لا يعني أنها غير موجودة/ غير قابلة للتحول إلى مشروع مستقر.

بدليل: أن أغلب المستقلين في (مصر)،  حلموا بمبادراتهم ثم نفذوها، وأداروها، دون أن يحضروا ورش، أو يسمعوا عن تلك المصطلحات.

لو أغلق المشروع الخاص بأحدهم، فسيكون السبب المعتاد؛ راجع لظروف شخصية/ نقص التمويل/ الكوادر/ إلخ، لكنه لن يرتبط من قريب أو بعيد  –في الأغلب- بعجز المؤسسين عن وضع صياغة (رؤية) أو (رسالة).

س: ما فائدة تلك الورش إذن؟!

بالطبع، مفيدة جدًا من عدة نواحِ، أبرزها:

1- مهما مارسنا التخطيط الدقيق بالفطرة، سيغدو مفيدًا أن نعرف الاسم العلمي للمنهج والطرق التي تفكر بها.

2- بعضنا ينفر من إملاء (قوالب منهجية جاهزة)، يحضه المتخصصون على تطبيقها. هذا حقنا، ربما لا توجد –بالفعل- طريقة أصدق من التعلم الذاتي، إلا أن الموضوعية تحتم الاعتراف أن:

-كلام هؤلاء المتخصصين يحوي خلاصة تجارب سابقة، تساعد على تجنب الوقوع في الأخطاء المكررة الصغيرة، مما يساعد على ادخار كم ليس بالقليل من الوقت والجهد، أقله.. كي يمكننا استغلالهما في ارتكاب أخطاء كبيرة.. تليق بنا.

3- ربما نعي أهدافنا جيدًا، فنعرف (ماذا نفعل/ لماذا/ كيف)، في نفس الوقت، لسنا من النوع الذي يجيد/ يكترث للتعبير عنها في سطور محددة. حسنّ، قد نستمر  في إدارة مبادرتنا -كذلك- لعشرات الشهور دونما مشاكل، حتى نتعثر عند أول جلسة مع ممول/ أول اختبار التحاق ببرنامج تدريبي دولي.

سنعجز –حينذاك- عن فهم اللغة الغريبة التي يتحدثون بها، بينما يحدثوننا عن (الرؤية) و(الإستراتيجية) و(الفرص) و(المخاطر)، إلخ.

*******

بناء على (نقطة النظام) السابقة، قررت –على سبيل التجربة- أن أستطلع بأثر رجعي: مدى انطباق أسلوب الـ (SWOT) على مبادرة (لأبعد مدى):

– نقاط القوة:

-توفر فريق متنوع من المتطوعين المتحمسين، في شقي (التحرير، التوزيع).

– خلو الساحة المحلية من أي تجارب مشابهة سابقة، في مجال صحافة الخيال العلمي والغرائبيات.

• نقاط الضعف:

– الافتقاد إلى مصادر تمويل مستقرة.

– “خلو الساحة من أي إصدارات مشابهة سابقة”، نعم. نفس نقطة القوة تحوي –كذلك- وجهًا للضعف، إذ سنفتقر إلى وجود نماذج واقعية، يمكننا القياس عليها، أو اكتساب الخبرة من تجربتها.

• الفرص:

– انخفاض سعر الخامات (ورق الجرائد).

– قابليتها أكبر لجذب الرعاة.

المخاطر:

-الوضع الأمني المتوتر.

-نظرًا لكونك وجهًا غير مألوف على السوق، سيتخوف الكل من التعاون معك، باعتبارك طرفًا جديدًا ذو سجل أبيض، بلا سالف معرفة، يمكن الحكم على مدى جديتك من خلالها.

*******

يُنظر إلى القوة والفرص كعنصرين قابلين للوصل، على سبيل المثال، انخفاض الميزانية (نقطة قوة)، حيث تكلف طباعة 1000 نسخة من الربع جريدة،  أقل بكثير من سعر ملصق أو اثنين، كالذي تضعه أي دار نشر أثناء معرض أو حفل توقيع، هذا يعني (فرصة) أكبر في جذب رعاة أو إعلانات، يطلقون على ذاك الربط بين (نقطة القوة) و(الفرصة) اسم: عملية (الدمج).

أما الاشتغال على (نقاط الضعف) حتى تصير (عناصر قوة)، فيسمونه (التحويل).

ربط (أحمد عصمت) بين ثلاثة أركان من الأربعة، مستخدمًا جملة، لا تزال عالقة في ذهني إلى الآن:

– (عناصر ضعف) الآخرين، لن تغدو (نقاط قوة) لي، ما لم أقم بتحويلها إلى (فرص).

أذكر جيدًا أنه صمت لثوانٍ بعدها، وكأنما يحاول تذوق العبارة التي ارتجلها توًا، قبل أن يعلق:

– مسم، دا أنا عليا جُمل.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)