(الاحتمال السابع): قصة خيال علمي قصيرة- إبراهيم المغاوري

ألقي المهندس (مختار) نظرة طويلة علي التوقيت المرتسم علي الشاشة أمامه  119:45:30

ثم تراجع خطوة للخلف:

– هذا التوقيت.. بالثواني؟!

رد زميله المهندس (صابر) في سرعة:

– بل بالساعات، حوالي مائة وعشرين ساعة، خمسة أيام كاملة!

– مستحيل!

هز (صابر) كتفيه في حيرة مماثلة:

– هذا ماحدث بالفعل .

بدا وكأن الدهشة قد ألجمت (مختار) قليلًا، فتسمر مكانه لحظة، قبل أن يصيح ثانية:

– مستحيل! مستحيل!

وأردف:

– إن (كيمي) لم يستغرق كل هذا الوقت، في أعقد المسائل المطروحة عليه، إن أطول مدة استغراقها من قبل كانت واحد علي مليون من هذه الفترة؛ نصف ثانية فقط.

التقط أنفاسه:

– إن (كيمي) هو أعظم اختراع جادت به القريحة البشرية علي مر العصور، هو ليس مجرد كمبيوتر عادي؛ إنما عقل الكتروني خارق مزود بملكة الذكاء الصناعي، ولقد تضاعفت قدراته بلايين المرات عندما أوصلناه بشبكة الإنترنت؛ ليستخلص منها كل المعلومات التي توصلنا إليها علي مر العصور، من علوم وآداب وأديان وحضارات، إن إجاباته السابقة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أنه خارق!

انتظر (صابر) حتى انتهي من كلامه، ثم غمغم في بطء:

– أنت تعلم أنني أحد مبرمجي (كيمي) الأوائل، ولا أبالغ إن قلت أنني أكثر من يعرفه علي الإطلاق، لكنني استنفذت دهشتي بعد أن مرت الدقيقة العاشرة دون أن تظهر الإجابة!

وصمت لحظة، ثم سأله بغتة:

– تري ما هو السؤال المعقد المُعجِز الذي أربكه إلي هذا الحد؟

سرح ببصره:

– لم يكن معقدا علي الإطلاق.

*******

دلف (صابر) إلي القاعة التي يقبع فيها (كيمي)، مثل كاهن في صومعته، ثم وقف أمام الشاشة العملاقة، وقال في مرح وهو يلقي عليه تحيته المعتادة:

– (كيمي) كيف الحال عندك؟!

رد هذا الأخير بصوت بشري:

– بخير يا (صابر)، لكني بدأت أشعر بالارتباك.

ردد (صابر) بدهشة:

– تشعر؟! ارتباك؟!

فـ (كيمي) علي الرغم من تعقيده، وقدراته التي تعتبر بالمقاييس البشرية خارقة، لم يكن قادرا علي اكتساب المشاعر البشرية!

– ما الذي يربكك بالضبط؟

أجابه علي الفور، كأنه كان ينتظر هذا السؤال بالذات:

– أنت تعلم أن محدودية دوري قد انتهت وتشعبت بعد أن تواصلت مع الشبكة العنكبوتية، ويستطيع أي شخص في العالم أن يوجه لي الأسئلة التي تراوده بمجرد تسجيل دخوله؛ لأمنحه أنا الإجابة الصحيحة في أقل من نصف ثانية!

– هذا صحيح.

تابع:

– بالأمس فقط، وجه لي طفل لم يتجاوز الخامسة من عمره سؤالًا واحدًا فقط، وعلي الرغم من أنني قد منحته الإجابة الصحيحة، فإنني قد شعرت ببعض الحيرة!

تراجع (صابر) في دهشة، إن (كيمي) يستعمل نفس الكلمة (يشعر) بتلقائية شديدة للمرة الثانية، هل إمكانياته من الذكاء الصناعي قد منحته قليلًا من المشاعر البشرية بالفعل؟!

– ماذا كان السؤال يا (كيمي)؟

رد في سرعة:

– إن معي تسجيلا صوتيا له، وسوف أعرضه عليك.

وهنا ارتفع صوت طفل صغير، وهو يقول بصوت باك:

– (كيمي) لقد ماتت أمي منذ أيام قليلة، إنني أشعر بالوحدة بعد أن ذهبت، بكيت كثيرا لأنني لم أعد أراها ولم تعد تحضر لي الحلوى التي أحبها، لكن أبي قال لي أنها ذهبت إلي السماء، فإذا كان الله يحبنا حقا فلماذا يفقدنا من نحب؟!

سأله (صابر) بخفوت:

– وبم أجبته؟

– لقد قلت له أن مصير أي كائن حي هو الفناء، مهما طال به الأمد، لأن هذه هي سنة الحياة.

– ما المشكلة إذن، لقد سأل الطفل وأنت منحته الإجابة.

– المشكلة أنني بدأت أبحث في ذاكرتي الالكترونية عن تفسير أوضح للإجابة، وقادني بحثي إلي صورة أعم وأشمل عن أسباب فناء الجنس البشري بأكمله!

– وما هي؟

– امنحني سؤالا.

ابتسم (صابر) بارتباك، فهو يعرف جيدا الأسلوب الأمثل للتعامل مع (كيمي)..إن امكاناته تعطيه القدرة علي التفكير التلقائي في كل المعلومات التي تنساب عبر دوائره، لكنه لا يفصح عنها إلا لو وُجِه إليه السؤال المناسب!

– حسن.. ماهي – في رأيك – احتمالات فنائنا كجنس بشري؟!

– هي سبعة احتمالات..الاحتمالات الستة الأولي سوف تُفني البشرية إلا قليلًا، وتستطيع الحضارة أن تنهض من كبوتها بعد فترة زمنية محددة، أما الاحتمال السابع فنسبة النجاة منه تساوي صفرًا.

اتسعت عيناه ذهولا وفرقا:

– علي الرغم من تقدمنا هذا؟!!

عقب (كيمي) مكررًا عبارته:

– علي الرغم من تقدمكم!

– وما هي هذه الاحتمالات؟!

أجاب بلهجة تقريرية:

الاحتمال الأول: كوارث طبيعية تصيب الكوكب من زلازل وبراكين وسيول.

   الاحتمال الثاني: حروب عالمية تقضي علي الحضارة.

   الاحتمال الثالث: كوارث كونية من انتروبي للشمس ونيازك ومذنبات.

   الاحتمال الرابع: حالة عامة من البلادة الفكرية تصيب البشر.

   الاحتمال الخامس: وباء يقضي علي الحياة من بشر وحيوانات ونباتات.

   الاحتمال السادس: غزو الأرض من كائنات فضائية.

   الاحتمال السابع: مازال قيد البحث!

ردد (صابر) بذهول:

– ماذا؟!

*******

انتهي (صابر) من كلامه، فقال (مختار) في دهشة:

– قيد البحث؟!!

ثم علا صوته، يسأله:

– (كيمي)! ماذا عن الاحتمال السابع؟!

ردد بآلية:

– مازال قيد البحث.

عاد يسأله:

– أنت لم تفشل قط من قبل، فكيف أخفقت هذه المرة، وإذا كنت قد عجزت عن التوصل إليه، فلماذا أفردته منذ البداية في إجابتك؟! ألا يحتمل ألا يكون هناك احتمال سابع من الأساس؟!

أجابه في هدوء:

– نعم، إن المعطيات المتاحة تؤكد وجود الاحتمال السابع.

– وما هي هذه المعطيات؟

– تاريخكم – كبشر – علي هذه الأرض!

تطلع (مختار) إلي الشاشة في حيرة، ثم كرر:

– وماهي احتمالاتنا للنجاة منه؟

رد (كيمي) في هدوء مثير:

– صفر!

التفت (مختار) إلي زميله الذي رسم علي وجهه تعبيرًا معناه “ألم أقل لك”، وعاجله:

– إن شيئا كهذا لو تسرب للعامة، سيثير حالة من الذعر والبلبلة! حقيقة أن (كيمي) الذي يعولون عليه في حياتهم اليومية قد فشل، والحقيقة الأكثر إرعابًا تلك التي أفردها عن استحالة نجاتنا من الاحتمال السابع.. هشاشة حضارتنا التي افترضنا – ذات يوم – أنها مبنية علي الصخر!

– وما العمل في رأيك؟

رد واجمًا:

– يجب أن يتوقف (كيمي) عن بحثه هذا.

هتف (صابر):

– مستحيل! لقد صممناه بحيث لا يتوقف عن البحث في أي معضلة تواجهه، حتى ينتهي بها إلي حل منطقي.

******

دفع (هاني) باب حجرة رئيس التحرير في سرعة، ودلف هاتفا في حماسة:

– خبطة صحفية جديدة!

رفع رئيس التحرير حاجبيه في غضب:

– (هاني)! أخبرتك ألف مرة من قبل أن تطرق الباب أولا.

ثم أنه تنبه:

– ماذا؟! قلت خبطة صحفية؟!!

ابتسم (هاني):

– بالتأكيد، لقد حصلت من مصادري علي خبر الموسم، قنبلة صحفية مدوية!

سأله بلهفة:

– هلم.. إلي بها.

جلس علي المقعد المقابل:

– ألا تطلب لي مشروبا دافئا أولا؟

صاح بنفاذ صبر:

– هيا، تكلم قبل أن ينفذ صبري.

طقطق بلسانه:

– لا! ليس إلي هذا الحد، صبر سيادتكم يهمنا كثيرًا.

ومال نحوه، هامسًا:

– إنه بخصوص(كيمي).

– ماذا عنه؟

تراجع ثانية:

– لقد تنبأ بعدة احتمالات لفناء البشرية جمعاء، وأكد أن الاحتمال السابع لا مفر منه ولسوف يؤدي لانقراض بني الإنسان، ولن تفلح أي وسيلة لتفاديه!

– وماهو هذا الاحتمال؟!

استرخي في مقعده:

–  إليك المفاجأة الكبرى، لقد فشل في التوصل إليه علي الرغم من تأكيده أنه موجود ووشيك كذلك، تخيل هذا، لقد فشل (كيمي) لأول مرة في تاريخه كله، بعدما تصورنا أنه منيع ضد الفشل.

تراجع رئيس التحرير في مقعده، وبدت أمارات تفكير عميق علي ملامحه، فحثه (هاني):

– ماذا؟! بم تفكر؟

رد في بطء:

– إن خبرًا كهذا لو نشرناه، فسوف يصيب الناس بغير قليل من الارتباك والتخبط.

هتف في توتر:

– لو لم ننشره نحن، لانفردت جريدة أخري بالسبق، صدقني لا مجال للتردد في شئ كهذا.

صمت مرة أخري، ثم عاد يسأله في توتر:

– هل أنت متأكد من مصادرك؟

– كل التأكيد.

حرك شفتيه في بطء، بينما لسانه يردد في شرود:

– حسن.

*******

كانت تصريحات (كيمي) السابقة خلال العشرة أعوام المنصرمة غاية في الدقة، حتى أن الخبر قد انتشر كالنار في الهشيم، وأصاب الناس بالكثير من الخوف والذعر؛ علي الرغم من تكذيب حكومات العالم له، ونفيهم المستمر.

الانقراض والفناء! لا مفر! لا مفر!

(كيمي) لا يخطئ أبدا! (كيمي) لا يخطئ أبدا!

وظهرت بعض الطوائف السرية، تدعو الناس للعودة للطبيعة وحياة الإنسان البدائي، بعيدا عن مظاهر التقدم والمدنية، التي أدارت ظهرها للبشرية، وسرعان ما صادف الاقتراح هوا في نفوس الجموع المذعورة، وربما هو اليأس الذي يدفع أعتي العقول إلي الاستسلام للخرافات!

تحولت المدن الكبري إلي جنة للأشباح بعد أن هجرها سكانها إلي الصحاري والفيافي والكهوف البعيدة، ظنا منهم أن الفناء لن يطولهم هناك!

تغيرت اهتمامات البشر، وبدأت تتخذ بعض الصور الشاذة الغريبة!

******

كان الإرهاق يرتسم بأقصى صوره علي ملامح (مختار)، وهو يدلف إلي القاعة بحلته المزرية ونظراته الزائغة.

مال نحو الشاشة:

160:20:50

– (كيمي)! لقد خلت المدن من سكانها بعد أن أصيبوا بالرعب من النهاية التي افترضتها أنت، التجئوا إلي حياة الكهوف والصحاري ظنًا منهم أن الأمان ينتظرهم هناك.

وازدرد لعابه بصوت مسموع:

– سؤالي الأخير لك، قبل أن أغادر بدوري عن أي طريقة –حتي لو كانت مستحيلة–  للنجاة.

رد في بطء مثير:

– امنحني سؤالًا.

– ما الذي نستطيع فعله لتجنب الاحتمال السابع؟!

– أن تموتوا!

*******

وفي كوخ بدائي متهالك جلس (مختار) وحيدًا بلا طعام أو شراب يجتر ذكرياته القريبة، وفجأة سمع طرقات علي الباب مع صوت يهمس:

– افتح يا صديقي، لقد جلبت لك الماء والطعام.

هب مسرعا وفتح الباب؛ ليجد رجلًا غريبًا يحمل بين يديه صحفة تفوح منها رائحة طعام شهي.

رفع عينيه نحو وجهه، والتقت عيناه بعيني الغريب، بالأحرى بعين الغريب الوحيدة.

لقد كان أعورًا!

*******

كان الصمت يخيم علي القاعة التي خلت تماما من الحركة، وتبدلت الأرقام المرتسمة علي الشاشة.

168:00:00

سبعة أيام!

ثم ارتفع صوت (كيمي):

– الاحتمال السابع: الدينونة..

يوم القيامة!

******

تمت بحمد الله

 

 

عن لأبعد مدى