الإثنين , أغسطس 19 2019

أفلام غرفة: (إله في المحاكمة)

• لمطالعة الحلقات السابقة من كتيب (أفلام غرفة).

• لتحميل الكتاب كاملًا في صيغة PDF.

– لا تسمح لهم بأخد إلهك منك، حتى لو لم يكن موجودًا.
– ألف مليون نجم في مجرتنا وحدها. إذا كان الله يحب اليهود كثيرًا، فلماذا لم يملأ الكون باليهود بدلًا من النجوم؟
– هتلر يشبه السكين، بينما الرب هو الجراح. إذن الوقوف في وجه السكين، يعتبر محرم، لأنك تقف ضد مشيئة الله!
– يجب إيقاف ذلك، يجب أن يتوقف الكفر.
– في الواقع، هذا ليس كفرًا، إبراهيم جادل ربه في أمر (سدوم)، (يعقوب) صارع ملاكًا.

(الإله في محاكمة)!

أتوقع أن عنوان الفيلم مزعج للكثيرين، فهذا نفس شعوري عندما سمعته لأول مرة، لم أتحمس لمشاهدته، اكتفيت بالبحث في (جوجل) لمعرفة الخطوط العريضة عن الفكرة فحسب، فظهر المزيد من الأسباب، التي ضاعفت من فتوري تجاهه.

1- أن الأحداث تتمحور حول معاناة (اليهود) في معسكر (أوشيفتز) النازي.

ليس حبًا في المذابح بكل تأكيد، بل لأن (إسرائيل) لطالما استثمرت هذه المسألة، لكسب التعاطف العالمي.

ليتم تسديد الفاتورة على حساب الفلسطينيين.

2- اعتماد أغلبه على ما يشبه (المناظرات الفلسفية) داخل زنزانة مغلقة. الكثير من الآراء والآراء المضادة. مع أقل القليل من الحركة.

لا أخفي سـرًا: قبل مشاهدتي (الإله في المحاكمـة)، كانت الحالات الوحيدة التي أحببت فيها (أفلام/ الحوار/ الغرفة)، تتجسد في أمثلة على (12 رجلًا غاضبًا) و(غرباء بالكامل)، إلخ.

لكن حرصًا على تغطية أنواع مختلفة، قررنا تناول مثال واحد على الأقل من فئة (أفلام المناظرات).

في البداية، سمعت عن فيلم يدعى (The Sunset Limited). يحكي عن محاولة انتحار ملحد (تومي لي جونز)، قبل أن يتم إنقاذه من قبل متدين (صامويل إل جاكسون، هذا هو الملخص الذي ألمح إليه المشهد الخارجي الوحيد في الفيلم، بينما دارت بقية الأحداث داخل غرفة المتدين، يتجادل فيها مع رفيقه حول: هل يوجد إله؟ ما مغزى الحياة، إلخ؟

رغم موهبة الممثلان القديران اللذان تصدرا بطولة الفيلم، إلا أنهما لم يكونا كافيان لأن أندمج مع مثل هذه الحوارات الفلسفية الفضفاضة.

ربما الملحوظة الوحيدة التي خطرت أثناء المشاهدة، وفشلت في إبعادها عن ذهني حتى الآن:

– دور العجوز الأسود الذي قام به (صمويل إل جاكسون) في (الغروب المحدود The Sunset Limited)، يبدو كنسخة مستقبلية لما صار عليه رجل العصابات (جولز وينفيلد) من فيلم (خيال رخيص Pulp Fiction)! من شاهد الفيلمين سيفهم ما ألمح إليه.

مشكلة الكثير من أجزاء الفيلم، أنها جعلتني أتساءل: -طالما الأمر هكذا، هل بإمكاننا جلب أي مناظرة من التي يمتليء بها (يوتيوب)، ونضع قبلها تترات، ثم نصفها بأنها (فيلم)؟

أو لنقولها بطريقة أخرى:

– ما الذي يجب فعله، كي يتزحزح (فيلم الحوار) من السقوط في فخ الإملال والتنظير، وتقديم سينما تنبض بالحيوية؟

أين الحد الفاصل؟

من وجهة نظري، الفارق الأبرز بين (المناظــرات) و(أفلام الحوار) أن الأولى تقدم نقاش بين آراء مجردة، يمكن تقسيم مجرياتها إلى فقرات منفصلة، أو شبه منفصلة. كما يفترض أنها تركز على القضية المطروحة للنقاش، دون شخصنة. بعكس السينما التي تتعرض لشخصيات الأبطال، وتهتم برسم حد أدنى من أبعاد وماضي كل منها.

إذا شاهدت -عزيزي القارئ- فيلم (The Sunset Limited). اسأل نفسك:

– هل احتوى على مقاطع حوارية يسهل حذفها أو تغيير موضعها، دون أن يتسبب ذلك في ارباكك ؟

الإجابة من –في رأيي- تلك المشاهد التي يتناقش فيها البطلان عن مواضيع مجردة، على غرار (مغزى الحياة) و(احتمال وجود إله؟).

على الجانب الآخر، تخيل أنك حذفت أي جزء من حوار فيلم كـ (12 رجلًا غاضبًا) أو (غرباء بالكامل)، هل سنلاحظ وجود فجوة؟

وهكذا، قررت (عصر ليمونة) على نفسي، لتجـربة مشاهدة دقائق من (الإله في المحاكمة)، متوقعًا أنه –غالبًا- لن يناسب ذائقتي على غرار (The Sunset Limited)، لكن على العكس، تفاجئت بأن الفيلم ليس مملًا ولا مزعجًا للدرجة التي تصورتها.

نجح السيناريو في معالجة الموضوع الشائك ببراعة، كما تفادى الانحياز لأي قناعات صدامية، سواء اتجاه اليمين أو أقصى اليسار. بل جعلني –كمشاهد- أسأل نفسي تلقائيًا:

– عند تعرض فئة للقتل والتنكيل، ثم إلقاءها في سجن ينتهك إنسانيتهم يوميًا، كم منهم سيستطيع الاستمرار في القبض على جمر إيمانه الديني؟

من غير المنطقي أن نتوقع بأن كلهم يمتلكون صبـر الأنبياء. وفي نفس الوقت، يصعب التصديق بأن 100% منهم سيصرون ملحدين. الواقع يقول أن البشر ليسوا (أبيض) أو (أسود)، بل تتراوح درجة احتمالهم، بين مختلف درجات اللون الرمادي. هذا –بالضبط- ما نجح الفيلم في التعبير عنه.

(الإله في المحاكمة) يصنف كفيلم بريطاني “تلفازي”، ظهر على الشاشة لأول مرة عام 2008م. من إخراج (آندي دي إموني)، وإنتاج (مارك ريدهيد).

يدّعي الثاني بأن القصة حقيقة، وكان شاهدًا عليها بنفسه، لذلك.. حاول تحويلها إلى فيلم لمدة تقرب من 20 عامًا، لكن المشروع تأجل لأسباب مختلفة، حتى بدأت أولى الخطوات الفعلية عام 2005م، بتواصله مع (ويزل) لكتابة السيناريو.

تدور قصة (الإله في المحاكمة) داخل معسكر (أوشيفيتز)، الذي يقع في (بولندا). كان مجرد ذكر اسمه يقترن بأهوال من نوعية (محارق الغاز، التعذيب، يوسف منجيل، استخدام السجناء في تجارب طبية لاأخلاقية). احتوى المعسكر على عدد لا يصدق من البشر، لكن عند مرحلة معينة، تعجز قوات النازي عن تكديس المزيد، فيلجأوا لإعدام نسبة من السجناء القدامى.

يركز سيناريو الفيلم على أحد تلك الليالي السوداء، التي يعلم المساجين فيها بقرب وصول زملاء جدد، مما يعني أن اليوم التالي سيتضمن:

اقتياد الكثير من القدامى نحو محارق الغاز، عقب سلسلة من الإجراءات على غرار (منح رقم لكل واحد، إجبارهم على خلع ملابسهم، الوقوف عراة، العرض فردًا فردًا على مكتب يجلس فوقه طبيب، يلقى نظرة متفحصة لامبالية، ثم يأمر بالتوجه: إما إلى اليمين، أو اليسار).

لا أحد من الجانبين بوسعه التأكد إنه في مأمن، فاختيار المعدومين يتم بعشوائية تامة، دون معايير يمكن توقعها.

أقنع أحدهم نفسـه بأنه سيعيــش، لإنه حصل على رقـم يحظى مالكيه بالنجاة دائمًا.

في المقابل، تنبأ فرد آخر بأن الغد هو آخر يوم في حياته، فتعامل مع مصيره بشجاعة، ومنح سريره ومعلقته –المعالق أحد المتعلقات النادرة هناك- لأحد النزلاء الجدد.

وسط هذه الليلة المشحونة باليأس والإحباط والغضب، اقترح أحدهم عقد محاكمة لـ (الإله)، باعتباره المسئول الأول فيما يحدث، حيث تخلى عنهم، تخلى عن الميثاق الذي عقده مع أجدادهم، فسمح بإبادة (شعبه المُختار) على يد (هتلر). كان السجين يقصد محاكمة بالمعنى الرسمي، تتضمن (ثلاثة قضاة، هيئة دفاع، ممثلين للإدعاء).

تم اختيارهـم بين المتواجـدين في الزنزانــة. حيـث احتوت على (حاخام)، (بروفسر قانون)، وغيرهما من الفئات التي ساعدت على محاكاة  المحاكمات الحقيقية.

تلك الفكرة (المحاكمة) قد تبدو مستنكرة جدًا في الظروف الطبيعية، لكننا أمام بشر داخل مكان كابوسي، فمن الطبيعي –كما قلنا- أن يتباينوا في درجة القدرة على الاحتفاظ بجمر إيمانهم.

انقسم السجناء ما بين اللامبالي الذي كف عن الاكتراث بأي شيء، والحانق الذي يعتقد بأن الخالق تخلى عنه، فرحب بالفكرة على سبيل التنفيس، إلى جانب المتدين الذي استنكر مجرد ورودها في بالهم من الأساس.

قام السينـاريـو بتمثيـل كل هؤلاء. لو أنك متفـرج متدين، ستجد أن شخصيات مثل (شميدت) أو (مردخاي) تنطق بأغلب الاستنكار يدور في رأسك، ليقوم أصحاب القناعات الأخرى داخل الفيلم بالرد عليك، مستخدمين منطق يبدو متماسكًا،  فإذا اعتصرت عقلك حتى تتوصل –سريعًا- إلى إجابة وجيهة، ستجد أن الشخصيات المتدينة في الفيلم، قد قالوها بالنيابة عنك. وهكذا تسترسل المناقشة بشكل عفوي صادق، بعيدًا عن انحياز لتوجه فكري معين.

لكن لو أن الفيلم اقتصر على التنظير فقط، لصار إيقاعه غاية في الركود. لكن (الإله في المحاكمة) تميزت بأن خط المناقشة تخلله بعض المجريات التي كانت تمضي قدمًا ما بين ماضي، حاضر، مستقبل. مثل (وصول مساجين جدد، توزيع الأرقام، الفحص الطبي، انتظار إعلان النتيجة، توتر علاقة الأب بالابن، قصص إنسانيـة جانبيــة عن خلفيـة سجين بعينه).

قدم السيناريو أحداثه في شكل خطين متوازيين، تدوران في نفس المكان (معسكر أوشيفيتز)، مع اختلاف الحقبة الزمنية، الأولى في الماضي خلال ليلة المحاكمة، والثانية في المستقبل، بعد أن تحول المعسكر إلى معلم سياحي يقبل عليه جيل الأحفاد/ اليهود المعاصرين، بدأ الفيلم بمشهد ينتمي إلى الخط الثاني، نرى مجموعة زوار تتقدمها مرشدة سياحية، تشرح تفاصيل المكان، وتحكي عن أنه شهد حدثًا غريبًا وصادمًا:

– (محاكمة للإله)، أجراها السجناء اليائسون.

تساءل أحد السائحين بفضول: وماذا كانت النتيجة؟ هل اعتبروا الرب مذنبًا؟ أم غير مذنب؟

في المشهد الأخير، قام المخرج بلفتة معبرة جدًا، عندما دمج الخطان الزمنيان سويًا، فاختلط جيل الأجداد العراة، بالأحفاد المعاصرين داخل نفس كادر غرفة التصفية، على خلفية صوت الصلاة. لم تنتصر نهاية الفيلم لأي توجه فكري، بل للتعبير عن الضعف الإنساني، الذي قد يمثل -أحيانًا- منتهى القوة.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)