الإثنين , أغسطس 19 2019

(3) الأوبئة: سيناريوهات (نهاية العالم) في أدب الخيال العلمي

وسط ضجة الجلبة الدائمة في ميناء الصين، وقع حادث صغير غير ملحوظ:

– تسللت بضعة فئران إلى السفينة المتجهة إلى مدينة (ميسينا) الإيطالية.

هذا الحدث الصغير أدى فيما بعد إلى هلاك ربع سكان أوربا، ونشر الرعب في أشنع حقبة شهدها القارة العجوز، مما اصطلحوا على تسميته بـ(وباء الموت الأسود).

السر: أن هذه الفئران حملت وباء الطاعون الذي بدأ في (هونج كونج) و(الصين)، ثم أتى على (أوروبا).

طرد الأهالي بحارتهم عندما شكّوا أنهم سبب الوباء، واستحم بعضهم بالبول عندما قيل أنه يحميهم من المرض، كما أغلقت أغلب المصالح الحكومة؛ لأن العاملين فيها -في الأغلب- قد ماتوا، حتى لعبة (حلقة الورد) التي يلعبها الصبية حتى اليوم، تعود جذورها لتلك الفترة عندما كانت الإزهار تستخدم كقناع لإبعاد الروائح الكريهة للموت حولهم.

لا ننسى (الكوليرا) التي انتشرت عام 1842م لتقطع أوروبا بالكامل حتى بلغت (بريطانيا)، وخلّفت في طريقها آلاف القتلى. ولم تشأ الأخيرة إلا أن تترك بصمتها على (مصر) أيضًا.

من يقرأ الأعمال الأدبية للقرن الماضي حتمًا سيجد ذكرى تلك الرائحة الكريهة تفوح بين الصفحات، كـ(طه حسين) في (الأيام)، وخيري شلبي في (الوتد).

عقب الحرب العالمية الأولى، ظن الجميع أنهم لن يمروا بهلاك أكثر مما ذاقوه فيها، لكن الزمن أثبت لهم أن هذا غير صحيح، فور ظهور (الأنفلونزا الأسبانية)، التي ساعد في نشرها الجنود العائدين من الحرب، ليحصد المرض ما بين 20 إلى 40 مليون نسمة حول العالم.

جميعهم احتضر برفقة آلام المخاط المدمم، الذي ملأ رئاتهم وشُعَبهم الهوائية.

من المعروف أيضًا أن علاقة الأوبئة بالجيوش معقدة جدًا؛ فلم تقتصـر نظرة الطرف الثاني للأولى على أنها (عدو طبيعي) إضافي؛ فأحيانًا تتحول إلى “سلاح”.

لهذه المسألة جذور موغلة في القدم، ربما منذ أيام التتار أنفسهم، عندما كانـوا يلقون جثث موتى الطاعون، داخل أسوار المـدن المحاصرة، كي تنتشر بينهم الأوبئة، ويسارعوا بالاستسلام.

مرورًا ببدايات تأسيس الولايات المتحدة، عندما أهدى الرجل الأبيض للهنود الحمر بطاطين ملوثة بفيروس الجدري، علاوة على اتهام (الصين) لـ(اليابان) باستخدام الغازات السامة 2900 مرة، خلال فترة الاحتلال، مما نتج عنه مصرع ثمانين ألف مواطن صيني.

تقـدم الطـب بخطوات واسـعة إلى الأمـام، وإن ظلت الأوبئة تتحـدى تفوق الإنسان من حين لآخر، ومن ثم استمرت كثيمة متجددة تنهل منها أعمال الخيال العلمي.

الحبكة دائمًا ترتكز على وباء مفاجئ، أو فيروس طوره البشر قبل أن يخرج عن السيطرة، أو ربما يبقى سبب الوباء متواريًا طوال القصة لتتركز بالأساس على رحلة الأبطال من أجل النجاة.

من أوائل مقتحمي هذا الدرب، الفرنسـي (جان باتبست) الذي تأثر فيها بملحمة الشعر النثري (الفردوس المفقود) لـ(جون ميلتون)، فبينما تحدث الثاني فيها عن أبوَيْ البشـر (آدم وحواء)، ركز الأول على حياة (الرجل الأخير)، وهو الاسم الذي منحه لقصيدته الطويلة المنشورة عام 1805م.

وهو نفس العنوان والموضوع الذي اختارته الإنجليزية (ماري شيلي) 1926م، غير أننا نتحدث عن نثر هذه المرة وليس شعرًا، فتعتبر رواية (ماري) من أوائل الأعمال التي تناولت [نهاية العالم (وبائيًا)]، من خلال (الطاعون).

أها، بعد قليل من التفكير، تذكرت (الموت القرمزي) لمواطنها (جاك لندن)، التي نُشرت -مسلسلة على حلقات- في مجلة (لندن) عام 1912م، قبل أن يتدخل الأمريكي (جون ويندهام) عام 1930م، برواية (يوم التفريدات) التي يؤدي وبائها إلى نتائج مختلفة بعض الشيء؛ حيث تظهر على إثرها نباتات متوحشة آكلة للحوم.

استمـرت المعالجـات على هذا النحـو، مع اختـلاف سبـب الوبــاء.. طريقـة انتشاره.. المكان.. الزمان.. عدد الناجين.

فبالنسبـة للأخـيرة تحـديدًا، تـارةً تغـدو الشخصيـة الرئيسيـة عبـارة عن ناجٍ واحدٍ.. (الأرض تصمد) لـ(جون ستيورات) 1949م، (العالم الفارغ) لـ(صامويل يود) 1977م، (أنا أسطورة) لـ(ريتشارد ماثيسون)، ولعل أغلبنا يذكر الثالثة أكثر؛ بحكم تحولها إلى فيلم شهير بطولة (وِل سميث).

تارة ثانية يكون الناجون جماعة.. يتوزع تركيز السـرد بينهم.. على غرار (الصمود) 1978م، لأسطورة الرعب (ستيفن كينج)، التي استوحاها بالتحديد من حلقة لبرنامج 60 دقيقة، على قناة ((CBS، وأنقل عن مدونة الزميل (مصطفى اليماني)، مقاله عن خلفية كتابة الرواية:

«جلس (كينج) ذات ليلة أمام التليفزيون، ليشاهد حلقة خاصة عن الحرب الكيميائية، وقد أثارت مخيلته. (لم أنس أبدًا المشاهد البشعة لفزع، وارتجاف، واحتضار فئران التجارب، كل هذا في 20 ثانية أو أقل..)».

يضيف:

«كما أن [الصمود (The Stand)] كُتِبت لتسير على الخطى الملحمية لرواية (سيد الخواتم) لـ (جي. آر. آر. تولكين)، ولو طبقنا الأمر على العالم الحديث، سنجد أن (لاس فيجاس) تماثل أرض (موردور). يجب أن تشهد بالأمر لـ(كينج)؛ فالرجل يعرف كيف يجمع بين هذه المؤثرات مثل بروفيسور حقيقي».

حتى تكنيك انتشار الوباء، تطور داخل القصص بشكل متزامن مع تقدم العلم؛ ففي البداية كنا نقرأ عن العدوى العادية، أو بواسطة وسيلة تكررت في أدبيات القرنين السابقين، هي (الغيمة السامة).

بدأت هذه التقنية مع أولى أعوام القرن العشرين، ورواية (السحابة الأرجوانية) لـ(ماثيو شيل)، ثم أعاد (آرثر كونان دويل) استخدامها، نعم.. هو نفسه مؤلف شخصية (شارلوك هولمـز) وبروفسر (تشالنجـر)، اقتحم مجال الخيال العلمي، بنفس فكرة السحابة الوبائية في رواية (النطاق المسموم).

مع تطور علوم الوراثة، بدأ المؤلفـون يتحدثون عن الأوبئة المهندسـة جينيًا في

المعامل، رواية (ظهور) لـ (ديفيد آر بالمر) عام 1984م.. (كالكي) لـ(غور فيدال) عام 1978م.. (أونيكس وكريك) للكاتبة (مرجريت أتوود) عام 2003م.. كما حاولت أعمال أخرى التماشي مع الأوبئة الجديدة، فاستخدمت رواية (المحطة 11) مثلًا فكرة (أنفلونزا الخنازير)، في نفس سنة صدورها عام 2014م، حصدت عنها جائزة (آرثر كلارك) كأفضل رواية.

عندما نذكر أسماء الثيمات العامة، مرفقة بأمثلة، قد يظن القارئ أننا بصدد أعمال مكررة مستهلكة، لكن أغلبها أثبت -بالفعل- قدرته على انتزاع “الدهشة”؛ فالباب لم يغلق على إمكانية تناول فكرة معينة بعدد لانهائي من المعالجات النوعية الجديدة. نذكر هنا محاولة كاتب نوبل (جوزيه ساراماجو) الشهيرة، عن وباء غرائبي مختلف تمامًا، وباء سبَّب (العمى) الجماعي للكل.

كذلك، خرج علينا المؤلف (جيف كارلسون) برواية عن مرض استهدف ذوات الدم الحار فقط، فيما عدا المناطق غاية الارتفاع فوق سطح البحر، ولكم أن تتصوروا الصورة البشعة لسطح الأرض وقد سادته الزواحف والحشرات.

في بعض الفترات، تصير الأوبئة عنصرية جدًا، مثل رواية (فرانك هربرت) (الطاعون الأبيض) 1982م، التي ينتقم فيها العالم (جون أنويل) باختلاق فيروس يصيب النساء فقط. في المقابل، رد المؤلفان (بريان ك فون) و(بيا جيرا) بسلسلة القصص المصورة (واي: الرجل الأخير)، فنجد ها هنا تهديدًا بيولوجيًا قضى على كل كائن حي يحمل الكروموسوم (Y)، فخلا العالم -تقريبًا- من الذكور سواء بشر أو حتى ثدييات.

نستمر مع عالم القصص المصورة، فلا نستطيع تخطي (الموتى الأحياء)، للكاتبين (روبرت كيركمان) و(توني مور)، حازت السلسلة ظهورها الأول  2003م، وحصدت نجاحًا باهرًا أهلها للحصول على جائزة (إزنر) كأفضل سلسلة كوميكس، قبل التحـول إلى مسلسل شهـير لاتزال مواسمه مستمرة إلى الآن.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)