حقوق الملكية الفكرية للترجمة

لا ندعي وجود أزمة في ترجمة الخيال العلمي والفانتازيا دون غيرهم، وإنما هي جزء من فقر المحتوى المترجم إلى العربية ككل.

أي باحث عن نقل نص أجنبي إلى اللغة العربية –عمومًا- (بغض النظر عن تصنيفه أو نوعيته) ينشغل بعدد من الأسئلة، على غرار:

(هل تجاوز -أو على وشك- المدة القانونية الكفيلة بإدخاله ضمن رخصة المشاع الإبداع؟ إذا لم يكن كذلك: هل سبق ناشر عربي إلى شراء حقوق نقل العمل إلى اللغة العربية حصريًا؟ إذا لم يحدث هذا الاحتمال بعد: هل مالك/ـي النص من النوع الذي يمكن مفاوضته/ـم للوصول إلى اتفاق مناسب؟)

تنحصر بداية أي مشروع الترجمة –غالبًا- ما بين أحد السيناريوهين:

– ناشر وضع عينه على إصدار أجنبي ما، ثم لمس إمكانية نيل حقوقه، أعقبها اختيار والتعاقد مع المترجم المناسب.

– مترجم أعجبه كتاب، فتقصى إجابة الأسئلة المذكورة أعلاه، قبل أن يقترح المشروع (مع إرفاق فصلين قام بترجمتها كعينة) على دور النشر التي يحتمل أن ترحب بالفكرة. وفي حالة الموافقة، تبدأ مفاوضة أصحاب حقوق الكتاب.

هذان هما المساران الطبيعيان –غالبًا- لبداية مشروع مشابه في أي مكان في العالم. لكن لا تندهش إذا جربت دخول إلى مجال الترجمة في الوطن العربي، فوجدت بعض الناشرين يطلبون منك القيام بمهمة (التواصل والتفاهم بنفسك مع أصحاب حقوق ملكية العمل الأجنبي).  على الناحية الثانية، اعتادت بعض الدور الأخرى ترجمة وإصدار العمل مباشرة دون مراعاة حقوق الملكية الفكرية من الأساس، مما يشكل نقطة سوداء في أي رصيد أي شخص يتعامل معهم.

**********

• نبذة عن استثناءات حقوق الملكية الفكرية •

تحدثنا –خلال السطور السابقة- عن ضرورة التواصل والاتفاق مع صاحب حقوق العمل -في الأغلب إما المؤلف (أو ورثته) أو الناشر أو كلاهما- وإلا تقع تحت طائلة القانون، يستثنى من ذلك حالات معينة، مثل:

– تنازل صاحب الحقوق عنها كليًا أو جزئيًا:

قد يعلن كاتب إتاحة أحد أعماله مجانًا بغرض النفع العام، على غرار (Bernhard Schreiber) مؤلف كتاب (رجال خلف هتلر)، الذي ترجمته (نرمين سعد الدين).

– مثال للتنازل الجزئي عن الحقوق:

سمحت (ج ك رولينج) مؤلفة (هاري بوتر) لأي كاتب أو حتى معجب أن يستخدم شخصيات السلسلة في نص إلكتروني مجاني من تأليفه.

بشرط ألا يطبعه أو يستخدمه في أي نشاط ربحي.

أحد أبرز من استخدموا هذه الرخصة عربيًا: المؤلف (حسام نادر) عندما نشر رواية، تنتمي إلى ما يُطلق عليه أدب الـ (Fan Fiction)، حملت عنوان (هاري بوتر، والطفل الملعون).

– مرور  نحو خمسين عامًا على وفاة المؤلف:

تزيد تلك المدة أو تقل حسب القانون الخاص بدولتك. يلجـأ الناشرون إلى هذا الحل (المريـح من الناحيتين):

أولًا: أغلب تلك الأعمال الكلاسيكية غنية عن التعريف، فلا تحتاج إلى نفس القدر من الدعاية.

ثانيًا: لن تضطر الدار للدخول في مفاوضات مع مؤلف أو ناشر أجنبي، يطلب مقابلًا ماديًا بالعملة الصعبة.

وهكذا نرى أرفف المكتبات ممتلئة بأكثر من ترجمة لـ (آلة الزمن) و(عشرين ألف فرسخ تحت الماء) و.. و..

لا نجرؤ على لوم أحد بعينه على الرغبة في إعادة تقديم عمل أيقوني بترجمة مختلفة، هذا أمر مشروع في كل الألوان الأدبية، لكن (وسام الدين عبده) –كمترجـم خيـال علمـي- يشـير إلى أحد عيــوب

الإفراط ذلك ضمن نطاق تخصصه، قائلًا:

– سوف يصدمك أحيانًا أن حبكة الرواية قائمة على فكرة ثبت بطلانها علميًا.

ضرب (وسام) مثالًا برواية ويلز الشهيرة (جزيرة الدكتور مورو) التي قد تبهر قارئ الزمن الذي كتبت فيه، فكرة تحويل الحيوانات إلى كائنات ذكية مفكرة باستخدام الجراحة، بينما اليوم يعرف أي طالب في مستوى الثانوي أن الفرق بين الإنسان وغيره من الأنواع يبدًا على المستوى الحمض النووي.

– الاستدلال بمقتطفات ضمن دراسة نقدية:

نلاحظ في كثير من الكتب النقدية أنها تنشر –ضمن صفحاتها- مقالات أو قصص كاملة لبعض المؤلفين. حيث يسمح القانون بـ (نقل/ ترجمة/ نشر) أي أجزاء من نص دون الحاجة لإذن صاحبه. بشرط عدم تجاوز مقدار معين -طبعًا- كي لا يتحول الأمر إلى نقل كامل بحجة الدارسة.

من أبرز إصدارات الخيال العلمي والفانتازيا التي تجسد تطبيقًا لتلك الحالة: تجربة المترجم (أسامة أبو ترابة) عام 2018م، في كتاب (عالم تولكين والأرض الوسطى) الذي تحدثنا عنه سابقًا. بالإضافة إلى سلسلة صدر كتابها الأول في نفس العام، بالتعاون بين مبادرة (لأبعد مدى) ودار العربي للنشر والتوزيع، تحت عنوان (أفلام في قصص)، تعتمد فكرته على المقارنة بين قصص عالمية قصيرة والأفلام المستوحاة عنها، مما استدعى ترجمة تلك القصص، مع إرفاق كل واحد منهم بمقال مقارِن عن الفيلم، ومدى تماسه مع النص الأصلي.

 نشرت السطور السابقة كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).