بعد الانتهاء من كتابة عملك الأول، ما طرق النشر المتاحة؟!

لنتخيل أنك كاتب شاب انتهيت توًا من كتابة نص، فما هي الاختيارات المتاحة أمامك؟

أولًا: النشر الحكومي.

مميزاته:

1- مجرد ظهور غلاف كتابك مقترنًا بشعار (أحد سلاسلهم) يمنحك وزنًا، قد ينعكس في صور كثيرة، (مثل الانضمام إلى اتحاد الكتاب، أو نظرة الوسط الثقافي الرسمي للعمل).

2- الإصدارات مدعمة: لدرجة أن روايتك قد تقدم إلى القارئ بسعر لا يزيد خمسة جنيهات، في الوقت الذي قد يصل فيه ثمن نفس الكتاب –في حالة أصدرته بالتعاون مع دار نشر خاصة- إلى أربعين جنيهًا.

العيوب:

يعيش النشر الحكومى داخل كبسولة معزولة عن الزمن. لا يعرفون بعد اختراعًا اسمه البريد الإلكتروني. لابد من إرسال عملك بالبريد أو يسلم باليد، ثم تنتظر دهرًا حتى يصلك الرد (إن وصل)، فإن كنت من المحظوظين اللذين تصل مسودتهم إلى مرحلة الطباعة، ستجد أن المؤسسات الحكومية تتعامل مع مرحلتي (التسويق والتوزيع) بنفس الطريقة البيروقراطية، فإذا نفدت الطبعة الأولى، ستفاجئ بأن (إصدار طبعة جديدة) يعد أمرًا مشكوكًا فيه.

يمكن دور النشر الكبرى الخاصة –من وجهة نظري- إلى فئتين:

– دور نشر عريقة، تحتوى على عدد ليس بالقليل من الأقسام والموظفين، تعاني من نفس الترهل الإداري للأجهزة الحكومية.

– دور نشر عريقة أيضًا، لكنها أقل ترهلًا، ستلاحظ أنك أمام (شركة) بالمعنى الحرفي، فلا تتفاجئ إذا ذهبت لتوقيع العقد، فوجدتها تتضمن شروطًا جزائية (مبالغ فيها، وأكبر حتى من تكلفة طبعة الكتاب بأكملها) يدفعها المؤلف للدار في حالات معينة، أو بنودًا تمتلك الدار بموجبها حقوق الكتاب الدار لمدد تصل إلى سبع أو عشر سنوات.

عمومًا، لا داع للقلق –عزيزي الكتاب الشاب- ففي الأغلب، فرص النشر في كلاهما شبه مقصورة على الكتاب الكبار (سنًا واسمًا وعلاقات)، فما بالك إذا كنت تكتب لونًا أدبيًا مثل الخيال العلمي أو الفانتازيا؟

في هذه الحالة، لن يتبق أمامك سوى دور النشر الأحدث عمرًا، والذين ينقسمون من وجهة نظري إلى ثلاث فئات:

1- دور النشر تعتمد سياستها على (دفع المؤلف نص تكلفة الكتاب، أو كلها). ليسوا نصابين، لكن أدائهم ضعيف غالبًا من ناحية التسويق والتوزيع، رغم أنهم يبذلون ما بوسعهم في حدود الإمكانيات المتاحة.

في كل الأحوال، ننصح بشدة ألا يلجأ المؤلف أبدًا (للدفع مقابل النشر).

2- دور نشر تبدو أنجح من ناحية التسويق والتوزيع، لا تنتهج سياسة (مشاركة المؤلف في تكلفة الكتاب). لكنك إذا أردت الاستفسار عن شيء ما يخص يخص كتابك، ربما يردوا مرة، ويتجاهلوك خمسة.

ملحوظة: طالما تكبدت الدار تكاليف إصدار الكتاب بالكامل، قد تظن أن المنطق يحتم بذلهم كل ما بوسعهم من أجل إنجاحه (لاسترداد رأس المال على الأقل). في الواقع، هذا ليس صحيحًا بالضرورة، فبعض هؤلاء الناشرين يطبعون عشرات العنوان (أكثر بكثير مما تحتمل إمكانياتهم في التسويق والتوزيع)، ويلقون بهم في بحر السوق، فيتركون من يغطس، ويستكملون الرحلة مع من يجدونه قد طفا على السطح من تلقاء ذاته (خصوصًا إصدارات المؤلفين ذوي الشهرة الجاهزة، أو من يمتلكون جمهور واسع من المتابعين على مواقع التواصل)، فيسلطون عليها معظم التركيز كدعايا وتسويق، فيحصلون على عائد جيد جدًا، يكفي لتغطية خسائرهم من الإصدارات الراكدة.

3- جميع ما سبق لا يتعدى نحو 10% أو 20% من دور النشر، أما الأغلبية الكاسحة فيطلق عليهم (ناشري بئر السلم)، أغلبهم ليس مضطرًا لانتظار ربح جراء بيع الكتاب التي يطبعونها، وإنما يحصدون رحبهم مقدمًا. على سبيل المثال: إذا أرسلت إليهم مسودة كتاب، سيردون عليك في ظرف يومين –وأحيانًا بعد ساعات- يخبرونك أنهم قرأوا العمل (لا تسأل كيف؟ بهذه السرعة!)، وأن طباعة 500 نسخة، ستكلفك 8000 آلاف جنيهًا، بينما التكلفة الحقيقية نحو 4000 آلاف، مع الوضع في الاعتبار أن بعضهم سيطبعون فعليًا 100 نسخة فحسب.

*******

بعض الناشرين زملاء أعزاء، مقربين إلى قلبي. لذلك، لا أقصد أحدهم بعينه، عندما أقول:

– رغم اختلاف النماذج التي استعرضناها، لكن أغلبهم يتفق على بعض الرؤى أراها –من ناحيتي- مجافية للمنطق.

من أمثلتها:

– وضع بند يتيح للدار الحصول على نص القيمة المادية لأي جائزة يحصل عليها الإصدار، رغم أن المؤلف (حتى في حالة دعم الدار للمؤلف بمحرر الأدبي يساهم في تطوير العمل الأدبي) يظل مبدعه الأول وأصل النص، وإلا لماذا لا يوضع بند مشابه يسمح للمؤلفين مناصفة الدار إذا حصلت على جائزة (أفضل ناشر)!

-«قمنا بواجبنا تجاه الكتاب، عرضناه على أصحاب منافذ التوزيع. أما عن التسويق، فبديهى أن الكاتب لابد أن يشتغل على نفسه».

يؤيد الكثير من الناشرين هذه القناعة، مستدلين بأن (نجيب محفوظ) ذاته كان يحرص على التواصل مع صحفيين ونقاد، يهديهم نسخ من كتبه، إلخ.

كما يتسائل الناشر: لماذا يطالب ويحلم الكاتب العربي الكسول بـ (مكتبات، طباعة، دور نشر) تحاكي النموذج الاحترافي الغربي، بينما ينسى أن نظيره المؤلف هناك يقوم بجولة بين المدن فور صدور كتابه، يجري حفلات توقيع، إلخ.

لا يخلو الرأي السابق من وجاهة كما نرى، بينما في المقابل توجد وجهة نظر أخرى، ترفض بشدة قاعدة (التعامل مع المؤلف باعتباره ملزم بأي أدوار تسويقية)، يمكنه القيام بتلك المهام بداعي (التحبيذ) أو (الزيادة)، لكنه ليس (واجبًا ملزمًا)، من منطلق أن الشيء الوحيد الذي يدين به المؤلف لأطراف الصناعة الأخرى (الناشر، القارئ، الموزع)، هي (النص).

– لنفترض أن رجلًا يقضي عقوبة السجن، قام بتأليف رواية عبقرية لا مثيل لها، ثم أرسلها –عبر أحد أقاربه- إلى دار نشر،  هل من المنطقي أن يرفض العمل لمجرد أن الكاتب ليس متاحًا للمشاركة في تسويق الكتاب.

إذا اعتبرنا هذا الدور من صميم واجبات المؤلف، فهذا معناه أن نستبعد أي نص مهما بلغ مستواه في حالة:

– تصادف أن الكاتب انطوائي الطابع، أو امرأة من عائلة محافظة، أو مغترب يعيش في الخارج، أو..، أو..، أو..

رغم أنني لست مؤيدًا على الإطلاق لذلك المنطق المختل، إلا أنني أتفهم جدًا شعور بعض الناشرين بالإحباط، عندما يضخوا أموالهم في كتاب، ويتوقعون من المؤلف شيئًا من الإيجابية والتعاون. لكن ما لا أتفهمه على الإطلاق، أن يكون المؤلف هو المتكبد لتكلفة الكتاب بالكامل، ثم يلام من قبل الناشر بعد ذلك على تقصيره في عملية الترويج.

السؤال المنطقي الذي يطرح نفسه:

– إذا كان المؤلف يدفع تكلفة العمل، ثم يقع عليه بعد ذلك عبء الترويج، فما فائدة أو دور الناشر بالضبط؟

في تلك الحالة، فالمنطقي أكثر أن يدفع ويتعامل الكاتب بنفسه مع (مصمم الغلاف، المخرج الداخلي، المصحح اللغوي، المطبعة)، ثم يحصل على رقم إيداع محلي بناءً على ختم المطبعة. في النهاية، يأخد الإصدار ليقترحه إلى منافذ التوزيع، أما الترويج، فيفترض أن الناشر –في كل الأحوال- يعتبره مهمة الكاتب بالدرجة الأولى.

ما أسوأ  شيء أحد يحدث حينذاك؟

هل سيفشل الكتاب في إنهاء طبعته الأولى؟

في الواقع، هذا ما يحدث غالبًا بالفعل سواء مع ناشر أو بدونه.

بعد إعادة التشديد على تلك القاعدة البديهية (لا تدفع.. كي تنشر)، يتبقى نصيحة أخيرة للمقبلين على النشر للمرة الأولى: لا ترهن قرار استمراريتك في الكتابة، بناء على انتظار عوامل خارجية (أرقام مبيعات، آراء مشجعة من قراء، إلخ). بل يحبذ أن تجعل دوافعك دائمًا داخلية.

لنفترض أن مبدعًا موهوبًا أصدر عملين، ثم توقف عن الكتابة بسبب الاحباط، نظرًا لأنه رهن قرار استمراريته على انتظار سماع آراء مشجعة من القراء. في المقابل، أغلبنا قد يروق له بالفعل رواية أو فيلم أو حتى منشور على فيسبوك، لكن لا يفكر حتى في الضغط  على زر (أعجبني). لنتخيل أن صار المؤلف الموهوب مشهورًا فجأة، فقرر العودة إلى الكتابة. من أين له بتعويض كل تلك السنوات التي تجمد خلالها مشروعه الأدبي؟

من البديهي أن (ذائقة القراء، ظروف السوق، فرص النشر) كلها متغيرات قد تختلف من وقت لآخر، فكيف يرهن المرء ما هو ثابت، بعوامل متغيرة.

********

اختيارات النشر الذاتي:

أولًا: الإلكتروني.

– المميزات: سهولة الوصول للقارئ مجانًا، في ظل ارتفاع أسعار الكتب.

كما توجد عدد من دور النشر التي توفر خدمة النشر الإلكتروني المجاني (منها على سبيل المثال: حروف منثورة)، فيقومون بالتصحيح اللغوي والإخراج الداخلي للصفحات وتصميم الغلاف. كما يستطيع أي فرد أن يفعل تلك الأمور بنفسه. (من واقع تجربتي الشخصية: حاولت مراجعة دروس النحو وأساسيات الإملاء، حتى استطعت توفير حد أدنى من التصحيح اللغوي للنصوص بنفسي. كما نفذت الإخراج الداخلي بواسطة برامج الوورد، أما الغلاف فاستعنت بمتطوعين أصدقاء).

– العيوب: يتعامل معظم القراء مع الكتب الإلكترونية بما يشبه منطق (لو كانت جيدة، لوجدت ناشرًا يتحمس لها).

المشكلة الأخرى الأبرز: تتعلق بأن أرقام الإيداع تصدر فقط للكتب الورقية، فلا يوجد أي ضمانة تحفظ حقوق الملكية الفكرية. باستثناء اللجوء لتسجيله في مركز مختص بتسجيل حقوق الملكية الفكرية (بجوار قسم الدقي)، ستصحب معك نسختان مطبوعتان من العمل، سيقوم المركز بختم كل صفحة منهما، وفي النهاية يحتفظون بواحدة، ويتركون لك الأخرى. (رسوم التسجيل تقدر بـ 200 ج للعمل الواحد).

النشر الذاتي المطبوع:

طالما المؤلف مطالب بدفع آلاف الجنيهات في سبيل رؤية عمله مطبوعًا، قلماذا يراهن بالتعامل مع دار نشر خصوصًا أن احتمالات النصب عليه، أكثر بكثير من احتمالات استعادة حقوقه.

الحل البديل أن يستخدم نفس المبلغ في التعامل مباشرة مع (مصمم غلاف، مصحح لغوي، إخراج داخلي، مطبعة).

ثم يكون عليك التعامل مع منافذ التوزيع بنفسك. في الأغلب سيطلب منك بعضهم (خصوصًا المكتبات الكبيرة) أن تترك نسخًا، من منطلق أنهم سيقومون بمطالعتها، وإذا كان العمل مقبولًا بالنسبة إليهم، سيطلبون منك كم معين، وبعد فترة معينة.. سيحاسبونك بثمن ما تم بيعه، ويعيدون لك النسخ المرتجعة، أو إذا وجد العمل رواجًا، يتجدهم يتصلون بك ليطلبوا كمية جديدة.

أعرف صديقة كان لديهم التفرغ الكافي للقيام بتلك المهام المتعلقة بالنشر الذاتي، وإجراء حفلات توقيع بهدف الترويج للعمل. لكن عيوب تلك الطريقة أن الجميع ليسوا متفرغين للقيام بمهمة مرهقة مثل (التوزيع)، كما أن أصحاب المكتبات لا يتحلون جميعًا بالذمة المالية أو التعامل المريح، لذلك توقع أنك ستقابل مواقف سخيفة جدًا.

العيب الأخير في مسألة النشر الذاتي، أنك لن تستطيع استخراج رقم إيداع دولي، لأن القوانين الأخيرة صارت تحصر إمكانية استخراجه فقط على دور النشر المسجلة في اتحاد كتاب مصر.

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).