ابن مولانا

وعى عمرو على الدنيا فوجدهم يجلّون أباه بشكل فوق الطبيعي؛ إذ تلاحقه ألقاب تعسر عليه فهمها، مثل: (القطب)، و(الشريف)، و(مولانا)، كل ذلك في الوقت ذاته، بينما العمة (فوزية) يقال لها  (عمة) فحسب، وعم (شعبان البقال) هو (البقال) فحسب.

ما إن يمشي مولانا في الشارع، يهرع الجميع لتقبيل يده، فوصل إلى ذهن الطفل أنها طريقة عامة في التحية. جرّب أن يقبّل يد جارته الصبية (سارة)، ثم عم (شعبان)، يذكر الموقفين جيدًا؛ سارة تقبلت الأمر بدلال طفولي، أما الموقف الثاني فصدم عمرو.

يومها انتفض البقال البسيط، وكاد أن يبكي بين كلماته:

ـ العفو يا سيدنا وابن سيدنا، أرجوك لا تفعلها ثانية، نحن من نأخذ منك البركة!

هذا فجَّر مشاكل أخرى لدى الصبي، ما هي البركة؟ ولماذا تحتكرها عائلتهم فقط؟ تسلقت الأسئلة سطح عقله، لتشغلها بالكامل.

توجه عمرو إلى أبيه، وصحب معه خواطره وحيرته، فشده مولانا من جلبابه:

“ماذا؟! قبَّلت يد شعبان؟!”

بالكاد كظم الأب غضبه، واعتصرت يمناه المسبحة بالغة الطول بها، بينما شد ابنه باليد الأخرى إلى الصالة، ثم أشار إلى صور عديدة تتصدر الجدران:

ـ أتعرف ما هذه؟

ـ نعم، صور كثيرة.

تحامل الأب على نفسه:

ـ نعم، أقصد أتعرف من في الصور؟

ـ هذه صورتك، وهذا جدي (منصور) الأكبر، وهذا جدي (حسن)، وهذا عمي الأكبر (جميل).

داعب الأب لحيته بصبر، وصحح:

ـ اسمه (جمال). هؤلاء هم أجدادك، هؤلاء هم السادة مشايخ الطريقة، لقد انتقلت إليّ منهم الطريقة، فورثت منهم البركة والنور، وهذا الميراث سينتقل إليك بالتالي، لذلك أنت -ببساطة- مختلف، أنت مولانا.

صمت الطفل؛ إذ لا يزال يكافح لكي يستوعب، بينما الأب يبتعد وهو يستغفر على مسبحته.

مرت أعوام جعلت البرعم يتفتح، لقد نما الطفل عمرو فصار فتى، وغدت أعماقه طقسًا متقلبًا، وارد أن تزورها الفصول الأربعة في يوم واحد.

توجه البركان العاطفي لعمرو -تلقائيًا- نحو أقرب متنفس، وكالعادة يصطلح على ذاك المتنفس بـاسم  (ابنة الجيران)؛ لقد أحب الفتى أن يحلم ليلًا بسارة، أحب الحديث إليها، مشاركتها حلواه، مبادلتها لعبه، وبينما يلعبان الغُميضة، داعب خصلة شعرها، ثم ابتعد فجأة إلى الركن شبه المظلم من الساحة.

“أنا هنا يا سارة، لتصلي إلى مكاني لو استطعت”

خمنت سارة من صوته أنه جنح إلى هناك، بينما راقب الفتى محاولاتها بنظرة عابثة؛ وجهها يضيء الليالي فيحيلها نهارًا، لا تزال سارة تدور على نفسها، تهفو كراقص تنورة، تضرب بيدها في مرح هنا وهناك، علّ أناملها تدرك رفيقها المشاكس، وبالفعل أدركته! اتضح أنها أدركته أكثر من اللازم، فقد وجدت نفسها بين ذراعيه الصغيرتين، واستشعرت أنفاسه في وجهها! رفعت سارة الشريط عن عينيها مشدوهة، وبعد دقيقة جرت الطفلة باكية، في حين أفاق عمرو على الكارثة.

إن سارة ستخبر الجميع، فبم سيبرر هذه الكارثة؟ ماذا سيقول؟ وبأي وجه سينظر إلى أهله؟! والسؤال الأهم: ماذا سيفعل به مولانا؟؟

مادت الأرض بالصبي، فلم تعد قدماه تقويان على حمله، استغرق ثوان ليستجمع أنفاسه، ونهض من جديد، فاتّجه بسرعة البرق إلى غرفته.

أغلق عمرو بابه على نفسه، ونفس الشيء بالنسبة للنافذة، ثم جلس بجوارها يسترق السمع، فبيته في مقابلة بيت (سارة)، يصله -الآن- من موقعه نهنهتها الباكية، بالإضافة إلى وصفها لما حدث، ثم… صوت الصفعة.

لم يفهم الصبي؛ هناك شيء غير منطقي، أو لعل الصوت وصله خطأ، هل يمكن للأذن أن تكذب أو تخطئ؟!

أنصت بتركيز، وصُدِم أن ما سمعه صحيح؛ فقد صرخت (سارة) ألمًا، وتحولت نهنهتها إلى بركان من الصراخ؛ لقد تلقت المسكينة صفعة، لا يفهم كيف؟ ولا لماذا؟ إلا أن هذا ما حدث، ثم علا صوت والدها في حزم:

ـ كفاكِ كذبًا يا بنت، ابن مولانا لا يمكن أن يفعل ذلك.

انفطر قلب الصبي لألف قطعة؛ إنه لم يعرف في الصغر معنى (القطب)، (الشريف)، (مولانا).

الآن فهم بالطريقة الأصعب، وبغض نفسه قبل أن يبغض هذه المفردات؛ كيف يكون مصدرًا للنور والبركة؟! كيف وقد خذله إنصافه؟! وارتضى ضميره ارتداء ثوب الحداد؟!

بعد طول تفكير، اتخذ الفتى قراره، سيتدثر بعباءة الشجاعة، ويعترف، لكن..

“هل يصارح مولانا مباشرة؟”

“كلا، لن تكون شجاعة حينئذ، بل انتحار”

“هل يخبر أمه إذن؟”

“كلا، ستكون مواجهة قاسية، ولن يضمن ردة فعلها.
للأسف –أيضًا- لا يوجد أحد من أصدقائه المقربين في متناوله الآن، حتى يأخذ رأيه، لا ثابت ولا منذر ولا أحمد”

“إذن ليخبر زوجة أبيه؛ إنها طيبة للغاية؛ ستعرف كيف تبلغ الأخرين، وفي نفس الوقت تخفف من وطأة اعترافه قدر الإمكان”

نفض الفتى تردده، و…..

ـ لن أحتمل أن أكذب، فأدخل النار. إن سارة مظلومة، وأنا فعلًا  ق بَّ ل ت ه ا عند لعبنا في الساحة، ثم حاولت أن…

تبعثرت الكلمة الأخطر من اعترافه، فلم يستطع نطقها كاملة.

لم يعرف كيف قالها، ولا بأي وجه؟

كل ما شعر به هو يد توضع على كتفه، ارتجف قلب الصبي فرقًا، إنه يعرف هذه اللمسة، إنه….. مولانا!

توقع ذلك قبل حتى أن يلتفت، أما ما لم يتوقعه، هو السمت العادي الذي وجد والده عليه.

ـ يا لك من شريف بحق! تريد أن تنقذ صديقتك بأي ثمن، حتى لو ادعيت على نفسك.

أجفل الصبي؛ إذ لم يستوعب مباشرةً ما يقوله مولانا.

ـ أبتِ، أنا أقول الحقيقة ولا شيء غيرها.. لقد بدر مني ذاك الإثم فعلًا.

هز مولانا رأسه نفيًا:

ـ أقدر نبل شيمك، ومهما قلت لن أصدقك؛ مولانا الصغير لا يفعل ذلك.

لم يضف الأب كلمة أخرى، فلملم عباءته الطويلة، واتّجه إلى غرفته.

ـ انتظر يا حاج، إنني……..

لكن الأب لم ينتظر، ولحقت به زوجته.

ظل الطفل ينادي، يصرخ، وفي النهاية، لم يَسمع سوى صوت… طريقة مولانا.

 (تمت)

♦ من شبه رواية (وراء الحواس).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).