إيزاك أسيموف: أسطورة تجمع بين غزارة الإنتاج وجودته

كتب: سائر بصمه جي.

يعد إسحق أسيموف (1920-1992) Isaac Asimov بحق أحد أبرع المؤلفين والمصورين للعلم والخيال العلمي المعاصر.

وُلِدَ أسيموف في روسيا ثم هاجر والداه عام 1923م إلى الولايات المتحدة، وأصبح أسيموف ذا جنسية أمريكية عندما كان طفلًا.

حصل على البكالوريوس في العلوم والماجستير في الفنون من جامعة كولومبيا قبل أن تقطع تثقيفه العالي الحرب العالمية الثانية عندما عمل في المحطة التجريبية الجوية البحرية، لكنه ثابر بعد ذلك للحصول على الدكتوراه في الكيمياء عام 1948م وبدأ تدريس الكيمياء الحيوية في جامعة بوسطن كلية الطب واستمرت مرافقته لتلك المؤسسة طوال حياته العملية.

– تبسيط العلوم:

في الوقت الذي بدأ فيه مهنته الأكاديمية عُيّن بشكل ثابت كعضو قيادي في مجموعة جون كامبيل لكتّاب الخيال العلمي، ثم تفرّغ أسيموف بشكل فعلي للكتابة والتأليف بعد عام 1958م، لكن الخيال العلمي أصبح عنصرًا ثانويًا في نتاجه منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين وما بعد، عندما ثبّت نفسه كواحد من المبسطين القياديين للعلم وتاريخه.

لم يكن أسيموف في البداية كاتبًا ماهرًا في الأدبيات كغيره من الكُتاب الذين عاصروه، لذلك لم يستطع أن ينافسهم في كسب شعبية من القراء حتى أواخر مهنته في الكتابة، كما كان أقل إنتاجًا لقصص الخيال العلمي بالنسبة لكُتاب كثر؛ إلا أن ذاكرته الاستثنائية وشراهته للمعلومات سمحا له أن يحرز سعة فريدة من المعرفة عبر طيفٍ كامل من العلوم الطبيعية.

لقد أثبت أسيموف جدارته بشكل لافت للنظر في اللاخيال الخاص به، فقد جعل المسائل العلمية المعقدة ممتعة ومن الممكن فهمها للقراء العاديين؛ إلا أنّ العلم الواقعي قام بدور قصير الأجل وبشكل فضولي في الخيال العلمي المبكر لأسيموف، وهو إهمال أقرّ به بشكل خجول وعلى نحو طفيف في مقالتين: (الخيال العلمي الاجتماعي) و(نظرة عامة على الخيـال العلمي الحـديث) عام 1953م لريجينـالـد برتنـور.

مقالات أسيموف العلمية في مجلة (مذهل بشدة) كانت أيضًا تعليمية بشكل جدي، حيث زود هذا النوع بسلسلة طويلة من الكتب العلمية المبسطة والتي بدأها بــ (المواد الكيميائية للحياة) عام 1954م، ثم ازداد برنامج إنتاجها سريعًا إلى أكثر من واحد في السنة وكثيرًا ما تجاوز الستة في السنة، ولعل أكثرها بروزًا يتضمن:

(داخل الذرة) عام 1956م، و(قوالب بناء للكون) عام 1957م، و(الساعة التي نحيا عليها) عام 1959م، و(النهر الحي) عام 1959م والذي نقح تحت اسم (نهر الحياة)، و(عالم الأرقام) عام 1959م، و(دليل الرجل الذكي إلى العلم) مجلدين صدرا عام 1960م، و(الشفرة الوراثية) عام 1963م، و(جسم الإنسان بنيته وعمله) عام 1963م، و(دماغ الإنسان قدراته ووظائفه) عام 1964م، (موسوعة سيرة أسيموف في العلم والتقانة) عام 1964م، و(فهم الفيزياء) في ثلاثة مجلدات عام 1966م، و(الكون من الأرض المستوية إلى الكوازارات) عام 1966م. [نقّح عام 1980م تحت اسم: الكون من الأرض المستوية إلى الثقوب السوداء].

(العالم الآخر وما بعده)، و(النجوم في طرائقها) عام 1971م، و(تشكل أمريكا الشمالية من العصور الأولى إلى عام 1763م) عام 1973م، و(ولادة وموت الكون) عام 1975م، و(الحضارات القائمة خارج الأرض) عام 1979م، و(عد الدهور) عام 1983م، و(كرونولوجيا أسيموف للعلم والاكتشاف) عام 1989م.

العمود الشهري الذي كان يقدمه لمجلة الخيال الجامح والخيال العلمي منذ عام 1958م وحتى وفاته أسس نموذجًا جديدًا للمقالة العلمية؛ فقد كان بمثابة بناء قصصي ظريف وحواري مشابه للقصة القصيرة، مع تأنق بياني بالغ الذروة، وهو أسلوب متأثر بعمود مشابه كان يكتبه ويللي لي عن المجرة، إلا أن أسيموف حمله إلى الكمال ووضع نموذجًا يحتذى به للعاملين المقبلين في مزاج مماثل بمن فيهم بن بوفا وغريغوري بنفورد.

– الخيال العلمي:

عندما عاد أسيموف إلى كتابة الخيال العلمي – بعد غياب لعقد تقريبًا- كان مصممًا بشكل ابتدائي على الإفادة أكثر من الخيال كأداة للتبسيط، والإفادة على نحو أفضل من معرفته بالعلم الواقعي.

لم يظهر عمله الروائي الطويل حتى عام 1972م وهو: (الآلهات بأنفسهم) والذي حاز على جائزة هوغو كأفضل رواية سنوية، إذْ تدور أحداثها في المستقبل حيث يحاول الإنسان أن يسحب طاقة من كون مماثل فيتصادم مع كائنات فضائية.

كان هذا الكتاب فريدًا من نوعه وشاذًا بالنسبة للروايات التي ألفها أسيموف، إذْ نادرًا ما كتب عن تصور الفضائيين حتى في رواياته عن حضارات المجرات، كما أنه يعد كتابًا علميًا من بين جميع رواياته ليس فقط في استخدامه للفيزياء النظرية وإنشائه الدقيق لمجتمع غريب، وإنما أيضًا لتصويره لأعمال الجماعة العلمية الساكنة للأرض.

من ناحية أخرى؛ فإن الأعمال الوحيدة التي أفاد منها بوضوح من الأفكار المستنتجة من العلوم الواقعية كانت سلسلة تعليمية جريئة من روايات الخيال العلمي الموجهة للأطفال، والتي  تصور الأعمال البطولية لجوال الفضاء ديفيد خلال استكشاف واستعمار الجنس البشري لعوالم المجموعة الشمسية وتتضمن: (جوال الفضاء ديفيد ستارّ) عام 1952م، و(ستارّ المحظوظ وقراصنة الكويكبات) عام 1953م، و(ستارّ المحظوظ وبحار الزهرة) عام 1954م، و(ستارّ المحظوظ والشمس القوية لعطارد) عام 1956م، و(ستارّ المحظوظ وأقمار المشتري) عام 1957م، و(ستارّ المحظوظ وحلقات زحل) عام 1958م.

إن الأفكار الرئيسة التي أراد أسيموف أن يبرزها تضمنت قصصه الخيالية العلمية الأولى عام 1939م، وقد كان له فيها تأثيرٌ مباشر على المؤلفين الآخرين أكثر من أية أفكار لكاتب آخر لهذا النوع من الخيال العلمي.

مركزية هذه الأعمال في التقليد الخيالي العلمي الأمريكي تظهر بوضوح أن واقعية الخيال العلمي مسألة موقف أكثر من أن تكون مسألة محتوى.

روايته الخيالية العلمية المبكرة والأكثر شهرة كانت (هبوط الليل) عام 1941م والتي مُثِلَتْ للأسف في فيلم سيء، إذْ تجري أحداثها على كوكب يحل الليل فيه مرة فقط كل عدة أجيال وخلال هذه الفترة القصيرة والوجيزة يؤدي الخوف إلى ظهور الجنون وانهيار الحضارة وهذا يتطلب عودة النور لينهي كل ما فعله الليل. وقد علق رالف والدو إيمرسون على هذه الرواية بقوله: إنه “إذا أضاءت النجوم فقط لليلة واحدة في الألف فإن الجنس البشري سوف يبتهج في مجد خلق الله”.

1– سلسلة (المؤسسة):

السلسلة الأولى بدأها أسيموف في الخيال العلمي كانت تحمل اسم (المؤسسة Foundation) وهي منتقاة بوصفها السلسلة الأكثر شعبية في هذا المضمار، وقد أصبحت معيارًا بالنسبة لتلك الروايات التي تروى عن الإمبراطوريات الموجودة في المجرات.

التقديرات الاستقرائية لهذه السلسلة كثيرًا ما تعدها عملًا من طراز بدائي في العصر الذهبي للخيال العلمي، كونها مبنية أساسًا على العلم الاجتماعي التخيلي والتاريخي النفسي.

في سلسلة المؤسسة يتخيّل أسيموف مستقبل البشرية، إذْ تبدأ هذه السلسلة بتغيير هيئة التاريخ الروماني على نحو ما، وصولًا إلى أفول وانهيار إمبراطورية مجرية. حيث يخترع الباحث هاري سيلدون علمًا جديدًا يدعى التاريخ النفسي، وهو يستند إلى قانون الأعداد الكبيرة ونظرية الاحتمالات ليتمكن من “التنبؤ بالمستقبل” أو بشكل أكثر دقة لحساب الاحتمالات لمختلف المستقبلات المحتملة.

النقطة الرئيسة في السلسلة هي أن العصر المظلم المهدد استبقه المؤرخون النفسيون الذين يقيمون مؤسسة مؤتمنة على مهمة الحفاظ على إرث المعرفة المجرية وأنه لن يضيع كما حدث مع إرث الأدب التقليدي، إنه إرث فتح روما من قبل القوطيين والوندالين. لقد قَصُرَ عمل (المؤسسة) ظاهريًا على تأليف موسوعة، ثم يتبين أن أعضاءها ماكرون ووكلاء سريون بارعون، لكنهم مخلصون تمامًا لقضية التمدن في جميع أوجهها.

قصص المجلات التي تشكل (سلسلة المؤسسة) الأصلية نشرت بين عامي 1942-1950م قبل أن تنقّح وتجمع في ثلاثة كتب هي: (المؤسسة) عام 1951م، و(الإمبراطورية والمؤسسة) عام 1952م، و(المؤسسة الثانية) عام 1953م.

نظرًا لنجاحها على المستوى الشعبي، فقد فازت سلسلة المؤسسة عام 1966م بجائزة هوغو لأحسن سلسلة خيال علمي لكلّ الأوقات.

2– سلسلة (الروبوت):

اشتهر أسيموف أيضًا بكتابة ثلاثة قصص عام 1950م، وقد نقّحت هذه القصص بطريقة مماثلة حتى تشكل المجموعة الأولى (الروبوت) عام 1950م، في فسيفساء مبدؤها المنظم الرئيس هو القوانين الثلاثة لعلم الروبوت التي أوضحت للمرة الأولى في قصة (الهارب) عام 1942م. إضافةً لقصص قصيرة إضافية جمعت في النهاية مع روايات بوليسية مستقبلية هي: (كهوف الفولاذ) عام 1954، و(الشمس العارية) عام 1957م، و(الروبوتات المتبقية) عام 1964م.

هذه السلسلة تدرس الكراهية البشرية تجاه الآلات معتبرةً إياها اشمئزاز انعكاسي رُهابي موجه ضد أي شيء جديد أو غريب، والذي وصفه فيما بعد بعقدة فرانكنشتتاين بطل الرواية الشهيرة الذي حل به الخراب على يد مارد صنعه بنفسه.

روبوتات أسيموف لديها نظام أخلاقي أمني في داخلها وهي ملزمةٌ بأن تطيعه فهي أخلاقية أكثر من البشر وأيضًا ذكية أكثر وقوية أكثر، إنها تعمل وفقًا لنظام أخلاقي صنعي يعتمد على القوانين الثلاثة في علم الروبوت.

هذه الروح البلاغية الممزوجة بالشفقة التي نشرها بها أسيموف رسخته كواحد من الفرسان القياديين في الطاولة المستديرة لكامبيل.

القصص الأحدث في السلسلة خصوصًا (الفن أن تدركه أنت) عام 1974م، و(رجل المائتي عام) عام 1976م، زادت ثانية قلق كامبيل بشأن محتومية حلول الآلة الذكية محل الإنسان.

مع أن قصة الروبوت الأخيرة (رؤى الروبوت) عام 1991م نشهدها قبل وفاته بسبب الإيدز الذي التقطه عن طريق خطأ طبي بوساطة نقل الدم هي استثناء بارز.

لقد كانت (سلسلة المؤسسة) عرضةً لمستقبل ليس فيه الإخفاق في الحدوث فحسب، وإنما كانت الروبوتات غائبة عنها بشكل واضح. وقد شرع في إصلاح هذا التناقض بكتابة سلسلة من الأعمال التي تستطيع دمج السلسلتين المتعارضتين في ما يبدو أنه تاريخ مستقبلي متماسك. وقد تضمنت هذه الأعمال:

(حافة المؤسسة) عام 1982م، و(روبوتات البدء) عام 1983م، و(الروبوتات والإمبراطورية) عام 1985م، و(المؤسسة والأرض) عام 1986م، و(مقدمة للمؤسسة) عام 1988م، و(تقدم المؤسسة) المنشور بعد وفاة مؤلفه عام 1993م، كلها أعمال تملأ ثغرات بين داخل السلسلة الأولى وتقدم أيضًا بعض عمل الإصلاح.

♦ تأسيس مجلة:

الخيال العلمي الذي كتبه أسيموف بعد أن امتلك مجلة سميت باسمه عكس مرتبته الأيقونية الواضحة الآن، وبمحاولة تبديل التعارض الفكري الواضح بين سلسلتيه الرئيسيتين في أربعينيات القرن العشرين. في حين أن الدفع الديناميكي لسلسلة الروبوت بدا أنه يدل ضمنًا على أن البشر ستحل محلهم وباستحقاق الآلات الذكية.

من ناحية أخرى فإن إسهاماته لمجلته بدأت منذ عام 1979م وكانت في الأغلب لا خيالية وسطحية.

♣ أثر لا ينسى:

كان أسيموف من أكثر الأدباء غزارة في الكتابة، إذ له أكثر من 500 كتاب، إضافة لحوالي 90 ألف رسالة وبطاقة. لذلك فقد كان تأثير أسيموف على الخيال العلمي وكتّابه كبيرًا جدًا.

لقد الاستجابة لقوانينه الثلاثة عن علم الروبوت كثيرة، لعل أكثرها بروزًا يتضمن: (مع الأيدي المطوية) عام 1947م لجاك وليمسون، و(الحشرات) عام 1989م لجون سلاديك، وروايتين بقلم روجر ماك بريد آلن حيث نقحت فيهما القوانين وجرى تعميمها بمباركة من المؤلف الأصلي. وقد صدرتا بعد وفاته تحت عنوان (مكانة إسحاق أسيموف) عام 1993م، و(جحيم إسحاق أسيموف) عام 1994م.

قلد جورج أوسميث (موسوعة المؤسسة) في (غير مستحق اللعنة) عام 1947م، والتي ينسب مادة مرجعها التخيلي إلى آي. آ. سيلدينوف، وأعمال أخرى كثيرة.

قصص الخيال العلمي التي تستعمل بوضوح التاريخ النفسي الذي أسسه أسيموف فهي تتضمن: (إي. آي. فيلهايم) عام 1986م لميشيل فلاين، و(الأزمة التاريخية) عام 1995م [وقد  وسع عام 2001م تحت اسم: أزمة تاريخية نفسية].

ثلاثة من القصص الأكثر شهرة لأسيموف وسعت إلى روايات بالحجم الطبيعي بواسطة روبرت سيلفربرغ في (هبوط الليل) عام 1990م، و(ابن الزمن) عام 1991م، و(الرجل البوزيتروني) عام 1992م.

إضافة لسيلفربرغ يوجد عدد من الكُتاب الآخرين الذين تأثروا به وأنتجوا قصصًا متنوعة وتوسعوا فيها هي من أعماله للقصص القصيرة أو الذين قد كتبوا أجزاء مكملة لسلسلتي (الروبوت والمؤسسة) من هؤلاء الكُتاب: روجر مان برايد وجورجي بينفورد وديفيد برين ومارك تيدمان.

كذلك تركت مؤلفاته أثرًا كبيرًا في سينما الخيال العلمي وحتى في علوم الروبوتات، عن طريق القوانين الثلاثة للروبوتات.

مهنة أسيموف كشخصية أدبية بدأت بتجليه بصورة هزلية في (دكتور أسيموف المذهل بشدة) عام 1974م لــ و. ف. دي بون، قبل أن يبرز في أشكال مختلفة في أدوار في الخيال الجامح لتوماس ويلد (دراسة أورام الأمل) عام 1984م، و(طيران إلى مثوى الشهداء) عام 1993م لتشارلز بال كريو.

لقد قام أسيموف بأدوارٍ رئيسة في (المأزق) عام 1989م لكوني ويلز، التي وضعت بجانب قصته الخاصة (سيء أكثر مما ينبغي) في المجلة المسماة باسمه، وكوميديا السفر في الزمن (المبرام الكوني) عام 1998م لميشيل بروستين.

عن لأبعد مدى