(إقناع): قصة قصيرة- محمد عبد العليم

قال الدكتور (هاشم) وهو يستند بمرفقة على المدفئة أوروبية الطراز والتي راحت السنة اللهب تضطرم بداخلها ومن حين لآخر تصدر صوت طرقعة الأخشاب التي تبعث في الجسد قشعريرة غير مفهومة: هل ما زلتم تصدقون كل ما تقرؤونه في كتب التاريخ وتعتبرونها من المسلمات الغير قابلة للنقاش؟؟ إذا فلتستمعوا إليّ فما سأقوله ربما يغير قناعتكم إلى الأبد.

*******

الدكتور هاشم هو مثلي الأعلى منذ أن كنت طالبا لديه في قسم التاريخ بكلية الآداب وحتى اليوم.. لا اعتقد أن هناك من يستطيع أن يكافئ الدكتور هاشم في علمه الغزير أو وقاره المهيب أو طيبته الصافية أو صرامته المحببة.. هو دائما ما يبهرني بما لديه وطوال سنين معرفتي به ما يزال يذهلني بمعارفه كأول يوم رأيته فيه واستمعت إلى شرحه الممتع .

ربما كان إعجابي الشديد به هو ما جعلني طالبا مميزا لديه أو ربما لأني أردت أن يلاحظني ويقربني منه هو ما جعلني أتفوق وأبز أقراني حتى صرت أول دفعتي طوال فترة دراستي بالكلية مما رشحني لأعمل معيدا فيها ثم أشرف بعد ذلك بأن أكون أستاذا مساعدا لمادة الدكتور هاشم.

هو أيضا لاحظني منذ البداية وعرف أنني مختلف عن الجميع لذا فقد كنت دوما طالبه المفضل.. كنت دومًا قريبًا منه أفتش الكتب وأبحث عن أعقد مسائل التاريخ وأطرحها عليه فقط لأثير انبهاره ولكنه دومًا ما كان يبتسم بهدوء ثم بلهجته الهادئة ونبرته الواضحة يبدأ شلال من المعلومات الرائقة الصافية تنحدر من بين شفتيه.. هو باختصار أعلم أهل الأرض بالتاريخ من وجهة نظري على الأقل.

الدكتور (هاشم السلانيكي) دومًا ما كان اسمه يثير دهشة من يسمعه لأول مره حيث أن اسم السلانيكي غير مألوف للعامة إلا أنه دومًا ما كان بهدوئه المعهود يوضح لمن يدهش من اسمه تاريخ عائلته التي تنحدر من رشيد، وجده الأكبر علي بك السلانيكي حاكم مدينة رشيد وقائد مقاومتها ضد حملة فريزر.

كانت فيلته بالمعادي قبلة للمثقفين ورجال الأدب والفن الذين يلتقون تقريبا كل ليلة في صالونه الذي اعتبره أفضل صالون أدبي يمكن لطالب الثقافة أن ينهل منه.

وبطبيعة الحال فلقد كنت ضيفًا دائمًا في صالونه الثقافي والذي يدهشك بتنوع مواضيعه ورغم ذلك تجد الدكتور هاشم كالفارس الذي لا يشق له غبار مهما كان موضوع النقاش.. فلو كان موضوعا علميًا أحسست أن الدكتور هاشم لم يخلق إلا له.. وان كان موضوعًا أدبيًا وجدته ناقدًا وأديبًا وشاعرًا وان كان موضوعًا تاريخيًا فهو مجال تخصصه الذي لا يضارعه فيه أحد لذا فقد كان الدكتور هاشم دومًا هو النجم اللامع في سهراتنا في صالونه.

في الليلة الماضية اكتشفت فنا أخر برع فيه الدكتور هاشم حتى النخاع ألا وهو فن الإقناع!!

كان موضوع الصالون موضوعًا قد يبدوا مملًا للكثيرين فقد كان مناقشة كتاب لكاتب غربي يدعى (وليام . ج . ماكولاف) وكان عنوان الكتاب (فن التحدث والإقناع).

راح الدكتور هاشم بأسلوبه الممتع يناقش الكتاب ويشرح مضمونه وكيف انك لو سرت على الخطوات التي يفصلها الكاتب ستتمكن من تحسين قدراتك الخطابية ويصبح بإمكانك إقناع المستمعين لك بفكرتك أو قناعتك بسهوله ويسر.

اعترض أحد الحاضرين على كلام الدكتور هاشم معللا ذلك بأن الحقيقة الواضحة كافية بذاتها لإقناع كل العقول، أما الأكاذيب القائمة على أوهام لا يمكنها إقناع أحد حتى ولو كان من يقولها أبرع الخطباء حتى لو كان شيشرون نفسه لما صدقه أحد.

ابتسم الدكتور هاشم ابتسامته الهادئة وهو يقول:

– الواقع يشهد على خطأ ما تقول يا عزيزي، فلا يوجد في الكون حقيقة أوضح من وجود الله عز وجل ولكنك ستجد مليارات البشر الذين يكذبون هذه الحقيقة الناصعة.. كما أن الاكاذيب هي ما ساق دولًا كثيره لحروب طاحنة قتل فيها الملايين فقط لبراعة زعماء هذه الأمم في إقناعهم بعدالة قضيتهم.. إن هتلر وموسوليني هما مثال حي على هذا.

بهت السائل من اجابة الدكتور هاشم ولكنه ابتلع ريقه وقد أبى كبريائه الاعتراف بخطئه فقال متحديًا:

– ولماذا ندخل في حوارات سفسطائية لا طائل من ورائها فلتقدم لنا دليلًا عمليًا الآن على صحة ما تقول.. تفضل حاول أن تقنعنا بشيء يخالف الحقائق الآن وأعدك أن لا أحد من الحاضرين هنا سيقتنع بما ستقوله إن كان يخالف الحقائق المعروفة مهما كانت براعتك في السرد أو مهارتك في الخطابة.

ثم أعقب قوله هذا بنظرة متحدية إلى الدكتور هاشم الذي صمت برهة وهو ينظر الى الرجل، في حين تابعت عيون الحاضرين هذه المعركة النفسية وقد صار الجو الآن أكثر حماسًا وإمتاعًا.

وفي نفسي كنت واثقًا أن الدكتور هاشم يستطيع أن يفعل أي شيء مما جعلني متلهفًا لمعرفة كيف سيعالج هذا الموقف.

بعد هذه اللحظات والنظرات المتحدية، افتر ثغر الدكتور هاشم عن ابتسامته الهادئة المعهوده ثم قال بنبرته الصارمة:

– حسنًا.. سأعطيك دليلًا عمليًا.. ولكن دعوني أولا احذركم ان ما سأقوله لكم الآن هو محض خيال ولا يمت للحقيقة بصلة فلا تصدقوه.

اتسعت العيون في دهشة مما قاله الدكتور هاشم فهو بتحذيره هذا قد قضى على فرصته لاقناع الحاضرين بقصته مهما كانت متقنة.

كان اندهاشي أنا أيضا يفوقهم وإن كانت ثقتي في أستاذي تجعلني أتحرق لمعرفة كيف سيواجه هذا التحدي الذي قام بزيادة درجة صعوبته بنفسه.

كان الحضور جميعًا قد تأهبوا للاستماع للدكتور هاشم بعقول قد اتخذت أهبتها لرفض كل ما سيقوله بناءًا على تحذيره الواضح.

أرجع الدكتور هاشم ظهره الى الوراء ليغوص في مقعده ثم قال بصوته الهادئ:

– أن ما سأحكيه لكم الليلة سيتصادم مع معارفكم وقناعتكم.. سيتصادم مع ما تظنون أنتم أنه الحقيقة المطلقة التي لا يوجد غيرها حقيقة.

ولكن من قال أن الحقيقة دومًا هي ما يعتقده الغالبية العظمى من الناس، وأن ما يعتقده الأقلية هو الخطأ؟

ألم يكن أنبياء الله أقلية؟؟ ألم يكن المشركين والكفار هم الأغلبية؟؟

وبالرغم من ذلك فإننا الآن نعرف أن الحقيقة التي آمن بها الكفار (الأغلبية) هي محض باطل، وأن حقيقة  الأنبياء (الأقلية) هي الحقيقة التي لا مراء فيها.

ألم تخالف حقيقة جاليليوا بأن الارض تدور حقيقة الشعب الأوربي بأكمله وعلى رأسه البابا الذين قالوا أن الحقيقة هي أن الأرض ثابتة؟

ثم قام من مقعده وشبك كفيه خلف ظهره وهو يتساءل:

– هل تعلمون كيف هزمت حملة فريزر في رشيد؟

سرت همهمات بين الحضور في حين رد عليه المتحدي قائلًا:

– بالطبع كلنا يعلم.. لقد خدع أهالي رشيد رجال الحملة الانجليزية واختبأوا في بيوتهم وتركوا لهم المدينة خالية، وعندما دخل الانجليز المدينة، وجدوها خالية، فانتشروا في أنحائها وهنا خرج عليهم الرجال بما لديهم من أسلحه وعصي، وقامت النساء بإلقاء المياه المغلية على الجند من النوافذ.. كانت حركة مفاجئة أربكت الانجليز وجعلتهم يرتدوا عن المدينة منهزمين.

صفق الدكتور هاشم بيديه برفق وهو يقول:

– أحسنت يا عزيزي يبدو أنك كنت تحصل على الدرجات العليا في مادة التاريخ في المدرسة.

ولكن هل معنى أن التاريخ قد ذكر لنا حدثًا وتواترت أخباره في الكتب، أن هذه هي الحقيقة بالفعل؟

قال الدكتور (هاشم) وهو يستند بمرفقة على المدفئة أوروبية الطراز والتي راحت السنة اللهب تضطرم بداخلها ومن حين لآخر تصدر صوت طرقعة الأخشاب التي تبعث في الجسد قشعريرة غير مفهومة:

– هل ما زلتم تصدقون كل ما تقرؤونه في كتب التاريخ، وتعتبرونها من المسلمات غير القابلة للنقاش؟ إذا فلتستمعوا لي فما سأقوله ربما يغير قناعتكم إلى الأبد.

تعلمون أنني أنحدر من عائلة (السلانيكي) وأن جدي الأكبر علي بك السلانيكي كان هو حاكم رشيد إبان حملة فريزر على مصر وكتب التاريخ تذكره كقائد شجاع ومخطط بارع استطاع أن يدحر الحملة في رشيد.

ولكن هل هذه هي الحقيقة؟

الليله سأكشف لكم سرًا تعاهدته أسرة السلانيكي على مر اكثر من قرنين من الزمان.. سرا ينتقل من الأب إلى الابن بعد أن يقسم أغلظ الإيمان على كتمانه والمحافظة عليه وحمايته بحياته.

الجزء التاني.

عن لأبعد مدى