الثلاثاء , يوليو 16 2019

(إقناع) جـ 2: قصة قصيرة- محمد عبد العليم

• لقراءة الجزء الأول.

تعلمون أنني أنحدر من عائلة (السلانيكي) وأن جدي الأكبر علي بك السلانيكي كان هو حاكم رشيد إبان حملة فريزر على مصر وكتب التاريخ تذكره كقائد شجاع ومخطط بارع استطاع أن يدحر الحملة في رشيد.

ولكن هل هذه هي الحقيقة؟

الليله سأكشف لكم سرًا تعاهدته أسرة السلانيكي على مر اكثر من قرنين من الزمان.. سرا ينتقل من الأب إلى الابن بعد أن يقسم أغلظ الإيمان على كتمانه والمحافظة عليه وحمايته بحياته.

كانت العيون الآن متسمرة على الدكتور هاشم والآذان مصغية إليه فقال بصوت واضح:

– أحقا تصدقون رواية التاريخ لما حدث في رشيد؟؟

ألم يتسائل أحدكم يومًا ولماذا رشيد بالذات؟؟

بدت الحيرة على الوجوه وكأنما لم يفهموا مغزى سؤال الدكتور هاشم الذي ابتسم موضحًا:

– في عام 1807 وصلت الحملة الانجليزية بقيادة ماكنزي فريزر الى الاسكندرية واستطاعت احتلالها بسهولة وكان من الاوفق التقدم بالقوة نحو القاهرة لاستغلال الفرصة وعامل المفاجأة حيث أن الوالي محمد علي باشا في ذلك الوقت كان منشغلًا بمحاربة المماليك وقائدهم مراد بك وكانت الفرصة سانحه له لدخول القاهره بأقل مجهود حيث أن محمد علي لم يكن قادرًا على الحرب في جبهتين.

ثم تقدم ليمسك بكرسيه الذي كان يجلس عليه منذ قليل ويستند عليه براحتيه وهو يتابع:

– ولكن على الرغم من ذلك نجد فريزر يترك هذه الفرصة الذهبية ويتجه بقواته إلى رشيد!

ما المهم في رشيد إلى هذا الحد يجعل الانجليز يتخذوها هدفًا؟

ألم يسيطروا بالفعل على ميناء الاسكندرية أهم الموانئ المصرية على البحر المتوسط؟؟

ما حاجتهم إذًا لرشيد؟

كانت عقول الجالسين الآن قد بدأت في التساؤل فعلًا وبدا لهم تساؤل منطقي.

تابع الدكتور هاشم:

– دعوني أذكركم أن رشيد في هذا الزمن لم تكن مدينة بالمعنى المفهوم وإنما هي كانت أقرب ما يكون لقرية كبيرة يعمل أهلها بالصيد غالبًا وبها حامية رمزية من الجند (700 جندي) غير قادرة على حمايتها ضد هجوم قوي منظم، فما بالكم بحملة ضخمة أعدت لغزو مصر كلها، وجهزت بآلاف الرجال المتمرسين والذين خاضوا عشرات المعارك وفتحوا كثير من البلدان ومجهزين بأفضل العتاد الحربي المعروف في ذاك الوقت.

كان الأسطول الانجليزي في ذلك الوقت هو فخر التاج البريطاني وأقوى اساطيل العالم، والذي أذاق من قبل أساطيل فرنسا الويلات هنا في أبي قير أو في معركة نلسون ونابليون في طرف الغار.

كانت مدفعية الاساطيل البحرية بالإضافة لمدفعيتهم البرية تستطيع تسوية رشيد بالأرض وتمهيدها بسهوله للإنجليز إن هم أرادوا ذلك، ولكنها لم تفعل.

لذلك دعوني أعيد سؤالي مرة أخرى.. لماذا رشيد؟؟

أحقًا تصدقون الرواية التي تقول أن الأهالي ببعض الاسلحة المضحكة والنبابيت والنساء بالمياه المغلية استطاعوا هزيمة جيش متمرس حسن التدريب والتسليح؟؟

إن جيش بونابرت المنهك بسبب طول حصار عكا والممزق بفعل الطاعون والمنهزم في حملته على الشام، قد استطاع بسهولة السيطرة على ثورة القاهرة وهي المدينة الضخمة المتخمة بالبشر والرجال الأشداء.. فهل استطاعت رشيد فعل ما لم تستطع أن تفعله القاهرة؟

هل كان جيش فريزر من السذاجة وهو يدخل شوارع رشيد فيجدها خالي ليستمر في الدخول دون أن يتجشم أحد الجند عناء اقتحام أحد البيوت ليعرف أين الناس؟

هل صدقتم بالفعل تلك الصورة المضحكه الكاريكاتورية لجيش مسلح بأحدث ما توصلت اليه قرائح البشر يفر من النبابيت والسكاكين والمياه المغلية؟

دعوني أكرر تساؤلي مره أخرى.. لماذا رشيد؟؟

إن إجابة هذا السؤال تحتاج منا العودة بالتاريخ سبع سنوات عندما كان الفرنساويين يحتلون مصر وبعثاتهم العلمية تدور في كل شبر من أراضيها تدون وترصد كل ما تراه فيها تمهيدًا لوضعه في ذلك السفر الضخم المسمى بكتاب (وصف مصر).

إن الولع الفرنسي بمصر ولع غير طبيعي وتشوقهم لكل ما هو مصري لهو أحد الاعاجيب لقد كانوا يبحثون بإخلاص منقطع النظير وكأنما يبحثون عن شيء يعرفون مسبقًا أنه موجود.

وفي أحد تلك البعثات الاستكشافية استطاع الضابط (بوشار) اكتشاف حجر رشيد والذي يعد من أهم الاكتشافات الاثرية في التاريخ، لأنه كان المفتاح لحل رموز اللغة المصرية وفتح باب التاريخ المصري المغلق.

هذا ما ذكره لنا التاريخ المعروف.. ولكن أيًا من كتب التاريخ لم يذكر الحقيقة كاملة!

حقيقة ما كان مطمورًا تحت رمال رشيد والذي أثار الفزع في نفوس الفرنساوية لدرجة جعلت قائد الحملة يقبل شروط تسليم مهينة، بل ويقبل أن يرحل رجاله على متن سفن أعدائهم الانجليز حيث أن سفنهم كانت قد دمرت قبل ذلك في معركة أبي قير.

ثم تسائل باهتمام:

– هل يعرف أحدكم من كان القائد الأخير للحملة الفرنسية؟

قال أحد الحاضرين:

– بعد عودة (نابليون) إلى فرنسا تولى القيادة (كليبر) وبعد مقتله على يد سليمان الحلبي تولى القيادة الجنرال (مينو).

ابتسم الدكتور هاشم بخبث وهو يقول:

– وهل تعرفون أن الجنرال مينو الذي وقع اتفاقية الاستسلام هو نفسه كان الحاكم العسكري لرشيد؟

ترى ما الذي رأه بوشار وفرقته وعرفه مينو جعله يفر من مصر بجنده كما لو كانت شياطين الأرض تلاحقه؟؟

كانت السفن الانجليزية هي التي أقلت الجنود الفرنسيين عائدة بهم الى فرنسا وفي ليالي البحر الباردة كانوا يزجون وقتهم بشرب الخمر والتسامر في الأحاديث ورواية ما رأوه من غرائب وعجائب في مصر.

ويبدو أن أحد الضباط الفرنسيين قد باح بشيء لم يكن يجب عليه ان يبوح به بعد أن لعبت الخمر برأسه لتصل تلك المعلومة لأذن أحد البحارة الانجليز، لتجد طريقها بدورها إلى قادته الذين يجدون في تلك المعلومة ما يستحق تجريد حملة ضخمة للوصول لذلك الشيء الذي ألقى الرعب في قلوب الفرنسيس وجعلهم يخرجون من مصر يتكفئون.

كان الذهول والترقب قد علا وجوه الحاضرين حتى لو أسقطت إبرة لصار ذويها مثل انفجار القنابل.. كانوا يستمعون إليه بكل حواسهم وكأن على رؤوسهم الطير وقد تدلت فكوكهم ذهولًا مما يسمعون.. نظر الدكتور هاشم اليهم وهو يبتسم ابتسامة ذات معنى قائلًا:

– وهنا يأتي دور عائلتي.. عائلة السلانيكي والتي كان أفرادها قد عرفوا السر المحرم والذي تعاهدوا على حفظه وسرية وجوده حتى يأتي الوقت المناسب لاستخدامه .

كان جدي الاكبر علي السلانيكي هو كبير العائلة والحافظ لسرها، وكان حاكم رشيد ولقد عرف بخبرته العسكرية أن المقاومة لن تجدي مع قوة بهذا الحجم والامدادات لن تأتيهم من القاهرة في الوقت الحالي نظرًا لبعد المسافة ولانشغال الوالي بحروبه مع المماليك.. وقتها لم يجد بدًا من استخدام ذلك الشيء للدفاع عن رشيد.

أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:

– يكفي أن تعرفوا أن فريزر عندما عرف بما حدث للقوة التي أرسلها لاحتلال رشيد كاد قلبه يتوقف من الرعب حتى أنه لم يبد أي شروط لتسليم الاسكندرية لمحمد علي وسارع بأخذ قواته والعوده مسرعا إلى إنجلترا لا يلوي على شيء.

يومها تعاهد أهل رشيد على نسيان ما رأوه وأن يكتموا حقيقته وإلا اتهموا بالجنون، نسي أهل رشيد أو تناسوا ما حدث في ذلك اليوم وأقنعوا أنفسهم بحكاية مفادها أنهم نصبوا كمينا لقوات فريزر داخل المدينة إلى آخر هذا الهراء الذي تقرأونه في كتب التاريخ وتعبر عليه عيونكم دون أن تحاولوا تفسيره أو نقده نقدًا علميًا سليمًا.

رغم نسيان أهل رشيد لتلك القصة إلا أن عائلتي ظلت تتوارث هذا السر عبر الأجيال وأصبحنا نحن حماة هذا السر والمسئولون عن الشيء الذي ننتظر أن يحين الوقت المناسب لاستخدامه.

كانت أنفاس الحضور قد تقطعت انبهارًا بما يسمعون وقد انطبع على وجوههم نظرة ذهول قطعه هذا المتحدي الذي قال بصوت متحشرج:

– وما هو هذا الـ.. شيء؟

نظر إليه الدكتور هاشم بخبث، وهو يتساءل:

– أي شيء تقصد؟

ابتلع الرجل ريقه بصعوبة، وهو يقول:

– الشيء الذي لا يعرف سره إلا عائلتك والذي تتوارثونه عبر الأجيال.

عاد الدكتور هاشم الى مقعده وغاص فيه باسترخاء مستمتع قبل أن يقول:

– ألم أحذركم من البداية إلا تصدقوا ما سأحكيه لكم؟

صدمتهم عبارته كما لو كانت دلوًا من المياه المثلجة، قد سقط عليهم في هذا الطقس البارد، فانتفضت اجسادهم قبل ان ترتفع الضحكات ثم عم الصالون تصفيق حاد والكل يضحك ويثني على الدكتور هاشم الذي سحرهم وبهرهم بقصته الخيالية تلك لدرجة الإقناع.

بعد عدة نقاشات قصيرة حول قصة الدكتور هاشم ابتدأ الحاضرين في القيام شاكرين للدكتور هاشم تلك التجربه الفريدة التي سيتذكرونها إلى الأبد وخرج الجميع ضاحكين مستمتعين بأحداث الليلة.

كنت أنا المتبقي مع الدكتور هاشم، فقمت إليه مصافحا وهنأته على قصته الجميلة ونجاحه المبهر في إقناع الحضور بها، ثم قلت له بأدب:

– اعذرني يا سيدي، ولكني لم أخدع مثل الباقيين.

ارتسمت ابتسامه على وجه الدكتور هاشم قائلًا:

– ولم؟

قلت له:

– لأنك ذكرت في بداية قصتك أن ما ستحكيه سر من أسرار عائلتك، أقسمت على حمايته.. وما كنت لتفشي سرا اقسمت على حمايته بهذه السهولة.

ابتسم الدكتور هاشم، وبدت على شفتيه لمحة من الحزن قبل أن يهز رأسه علامة الموافقة.

ودعته، فقام بإيصالي حتى باب الفيلا، وقبل أن انصرف قال لي بصوته الهادئ:

– اسمع مني يا بني.. أحيانًا يكون أفضل طريقة لحماية السر هي جعله ظاهرا للعيان.

ثم ابتسم لي مرة أخرى وهو يغلق الباب.

خرجت وأنا شارد، محاولًا فهم ما يريد الدكتور هاشم أن يقول:

– هل يعقل أن ما قاله الليلة لم يكن إلا الحقيقة؟

أم أنه اراد العبث معي لآخر مرة هذه الليلة؟

ولازلت حتى الان أتسائل.

هل كان الدكتور هاشم يقدم لنا الحقيقة التي تناسيناها جميعًا؟

أم أنه أكثر من رأيت قدرة على الإقناع؟

(تمت)

عن محمد عبد العليم

فائز بجائزة (نبيل فاروق) للخيال العلمي، من رواياته في أدب الرعب: (ليل)، (القتلة).