أول مرة.. أوروبا: (2) إشبيلية تنادي

مي مجدي

إلا أن الحياة دائمًا لا تعطينا كل شيء فلم يكدر صفوي في هذا المكان إلا شيء واحد وهو الطعام، لم يكن الطعام علي المستوي المتوقع، فأغلب الأطعمة تقدم باردة وأغلبها من الأسماك، ورغم حبي لها إلا أنها ليست معدة بطريقة شهية، بالاضافة إلي أن أغلب الوجبات هي مزيج من الخضروات المسلوقة التي لم نعتد تناولها بهذه الطريقة، أضف إلي ذلك أنني لم أتناول اللحوم والدجاج لأنها غير مذبوحة علي الطريقة الاسلامية، فاختيارات الطعام كانت بالنسبة لي محدودة جدًا، علي أية حال قلت لنفسي الطعام وسيلة لا غاية، ما سأجده هنا لا يمكن أن أعوضة في مكان آخر، أما الطعام فيمكن أن أعوضه عندما أعود لمصر.

في إحدى المرات في أثناء تناول طعام العشاء اقتربت مني إحدي المشاركات الأسبانيات التي لم أتحدث إليها من قبل مطلقًا.

وسألتني: مي، ما هو اسمك الأخير؟

نظرت لها مستفهمة، قائلة: ناصف.

فقالت لي: هناك طرد باسمك في الاستقبال.

طرت من الفرحة وشكرتها جدًا، فلم يخالطني الشك بأن الحقيبة الجديدة قد وصلت.

من فرط السعادة أخذت المسافة جريًا من المطعم وحتي صالة الاستقبال التي تبعد عن المطعم حوالي 5 دقائق مشيًا.

لم أنتظر لكي أصل لغرفتي لكي أفتحها ولكني بدأت في إزالة الغلاف الكرتوني ثم البلاستيكي عند صالة الاستقبال، ثم أخذت أبحث عن اليد التي سأجر بها الحقيبة ولكني أحبطت للحظات عندما وجدت أنها بعجلتين فقط وليست بأربع، فتلك الأخيرة لا تشعر معها بوزن الشنطة إطلاقًا مهما احتوت من أغراض.

علي أية حال حافظت علي احساسي بالسعادة رغم القليل من الإحباط، والتقطت مجموعة من الصور الفوتوغرافية للشنطة وأرستلها لأمي فرحة، الأمر لا يتعلق بالحقيبة ذاتها ولكن هي سعادة بالتجربة ككل، بسهولة الإجراءات وامكانية الحصول على تعويض وأن هذا شيء قابل للتحقق، كل ما في الأمر أنني قمت بتعئة استمارة ببياناتي الشخصية والتلف الذي أصاب حقيبتي، وأبلغتني السيدة بأنهم سيتواصلون معي وسيرسلونها خلال أسبوع، وحدث ذلك بالفعل بدون مجهود زائد أو اتصالات من جانبي أو مشادات كلامية أو تسويف فهذا ما يحدث في بلادي لاسترجاع حقك الذي يأخذ شهور وربما سنوات حتى تفقد الأمل تمامًا.

انتهت الجامعة وفاعليتها وفي يوم الأحد حجزت أتوبيسًا لأول محطات زياراتي في أسبانيا مدينة أشبلية أو Seville ، لم يتسن لي خلال هذه المدة السابقة أن أشتري شريحة هاتف واعتمدت طوالي الفترة السابقة علي شبكة الواي فاي في المكان.

أوصلني أحد المنظمين إلي محطة الحافلة في هذه المدينة الصغيرة والتي لم يكن اسمها مكتوبًا على التذكرة –والذي كان غريبًا جدا بالنسبة لي- ولكنه قال لي أن الحافلات ليس لها إلا نقطتين في هذه المدينة الصغيرة هذه النقطة التي تركني فيها، ونقطة أخري في داخل المدينة في شارع ضيق جدًا وهو لا يتوقع أن الحافلة ستمر من هناك.

لا أستطيع أن أنكر خوفي وتوتري للحظات فالآن ستبدأ حقًا الرحلة لأنني أصبحت بمفردي لأول مرة في بلد لا أتحدث لغتها، وقليلًا جدًا من أهلها من يتحدث الإنجليزية، كما أن هاتفي غير متصل بالانترنت، مررت دقائق انتظار الحافلة كأنها دهرًا، خوفًا مني أن أكون في المكان الخاطيء فأفقد الحافلة، ولسخرية القدر فإني لا أعرف أيضا كيف أعود إلي مكان الاقامة السابق لأطلب المساعدة، فاعتمدت علي لغة الاشارة مع المارين للتأكد من أن هذا هو المكان الصحيح، وبعد جهود مضنية أكد البعض أن هذا هو المكان.

تنفست الصعداء، ولكن تأخر الحافلة 10 دقائق، أعاد إلي مخاوفي مرة أخرى.

وأخيرًا ظهرت الحافلة تتهادي محدثة في قلبي فرحة كفرحة سماع أذان المغرب بعد يوم صيام طويل وحار جدًا.

نزل السائق بهدوء وتناول حقيبتي الجديدة ووضعها في المكان المخصص للحقائب والغريب في الأمر أنه لم يطلب أن يري تذكرتي، وجدت المقعدين خلف السائق فارغين فجلست وبعثرت أشيائي في هذه المساحة فرحة بهذا الفراغ، ولتكتمل السعادة وجدت شبكة واي فاي مجانية علي الحافلة، ظللت أحادث أمي خلال الطريق، والتقطت صورة شخصية لنفسي هي الأهم في هذه الرحلة كلها لأنها اللحظة التي وثقت فيها انتصاري علي مخاوفي وقدرتي علي التعامل مع المجهول مهما يكن، صورة وجهي فيها مرهق جدًا محملًا بتعب الـ 10 أيام السابقة ولكنه مليء بسعادة الاكتشاف والانطلاق.

وصلت إلي أشبيلية في حوالي الساعة العاشرة ليلًا، ولكي أصل للفندق الذي سأقيم فيه علي أن أستقل حافلة آخري دلني أحدهم علي محطة الحافلة، وبقيت واقفة لا أدري ماذا أفعل، مرت أمامي الحافلة التي يجب أن أستقلها ولكن السائق لم يتوقف رغم أني لوحت له، فارتبكت ماذا علي أن أفعل؟

فالوقت متأخر وحقيبتي ثقيلة وأنا مجهدة للغاية، وجدت في محطة الحافلة أرقام الحافلات ونقط التوقف لكل منها فراجعت محطة الفندق فوجدتها فشعرت بالاطمئنان، ثم فهمت أن كل حافلة تذهب ويأتي غيرها خلال 20 دقيقة وبالفعل بعد 25 دقيقة وصلت الحافلة، تلك الحمراء التي كثيرًا ما حلمت بها، وأكثر ما أعجبني فيها انخفاض الحافلة من الارض فلا توجد تلك السلالم المرهقة، فهي مناسبة جدًا لمن هم مثلي يحملون حقائب سفر، ولكبار السن وللأطفال ولذوي الاحتياجات الخاصة.

الحافلة مقسمة بطريقة تجعل في المنتصف مساحة فارغة للوقوف ووضع الأغراض، وفي الأمام والخلف وُزعت المقاعد، جلست علي أقرب مقعد وأخذت أراقب الشاشة الناطقة باسم المحطة القادمة حتي لا أفقد محطتي.

لن أنسي أبدًا ما حييت منظر ذلك الكوبري الشهير في إشبلية والأضواء الليلية المنبعثة من أشهر المعالم والتي كانت أول ماوقعت عيني عليه في المدينة، شعرت وكأن هذا المدينة تناديني أو كأننا تقابلنا من قبل.

نزلت في محطة الفندق، ومستعينة بالخريطة التي تعمل بدون انترنت علمت أن بيني وبين الفندق حوالي 3 دقائق ولكن لأني ملكة العالم في التوهان، اتخذت الطريق الخاطيء، وفي طريقي سألت أحد المارين علي رقم الشارع والمبني فدلني علي الطريق الصحيح ولحسن الحظ كان علي بعد خطوات وعلي الشارع الرئيسي مكان ما أنزلتني الحافلة!

في فندق من طابقين أقمت ثلاث ليالِ، غرفتي في الطابق الأول وبها أربعة أسرة، كنت أول من يشغلها،  بت فيها ليلتي الأولى وحيدة مستمتعة بالحرية، وأجمل ما فيها تلك الشرفة التي تطل علي الشارع الرئيسي حيث تركتني الحافلة.

في الصباح تناولت إفطاري وكوبًا من الشاي وكلي حماسي لاكتشاف هذه المدينة الجميلة، في الاستقبال أعطاني الموظف خريطة للمدينة، ولأنني شخصية تحب أن تقرأ كل ما هو مكتوب ومعلق وقعت عيني بالصدفة علي جولات سياحية مجانية تُنظم من خلال فندقي.

سألت الموظف وعلمت أنه يمكنني الانضمام لهم في تمام الحادية عشرة صباحًا، جاء المرشد الشاب الايطالي كما عرف نفسه ولكنه يعيش في هذه المدينة منذ 7 سنوات منذ أن  وقع في غرامها عندما زراها أول مرة، مرينا علي أكثر من فندق لاصطحاب آخرين في هذه الجولة حتي وصلنا لميدان في وسط المدينة حيث تجتمع كاتدرائية إشبيلية صاحبة البرج الأشهر الجيرالدة والذي كان في الأصل مئذنة لمسجد المدينة في عهد حكم المسلمين للأندلس، وقصر إشبيلية الملكي والذي بُني أيضًا في عهد المسلمين.

أجمل مافي السفر أنه يجعلك تقابل أصدقاء جدد من كل مكان، وكان حظي جميل عندما قابلتها، فتاة مغربية جميلة اكتشفت أنها تقيم معي في نفس الفندق عندما خرجنا لمقابلة المرشد.

أسماء، تآلفنا منذ النظرة الأولي، وعرفت أيضا أنها عربية ولكني لم أستطع تحديد جنسيتها، لا أعلم ولكني دائمًا أشعر أن المرأة العربية يمكن معرفتها بسهولة حتي وان ارتدت مثل الغربيات، يمكن تميزها من عينيها من نظرتها، من طريقة ترتيب ملابسها ووضعها لمستحضرات التجميل.

منذ أن خرجنا من الفندق أصبحنا أصدقاء طوال هذه الجولة، ورغم سعادتي البالغة بوجودها إلا أنها تركتني بسبب سأقول لكم عليه في الحلقة القادمة.

(يتبع)

عن مي مجدي

أعشق الكتابة وكل الأشياء التي تجعلني قريبة من قلوب الناس.. كن عفوي دائمًا فالأمور أبسط مما تتخيل.