أول مرة.. أوروبا: (4) فيرناندو الشجاع

كتبت- مي مجدي:

في صباح اليوم التالي كانت تنتظرني مفاجأة لم أخطط لها علي الإطلاق أربكت كل خططي، حيث كان المفترض أن أخذ الحافلة إلي قرطبة في تمام الساعة الثانية عشر والنصف ظهرًا.

استيقظت كالعادة في حدود الثامنة صباحًا تناولت إفطارًا خفيفًا، وجمعت متعلقاتي الشخصية حتى يمكنني أن أستمتع بجولة صباحية في المدينة بدون ضغوط، ثم أعود قبل موعد الحافلة بساعة أو ساعة إلا ربع علي الأكثر لأخذ الحافلة التي ستأخذني إلي حافلة قرطبة، مطمئنة لأن فندقي يبعد على الأكثر 15 دقيقة من أماكن الجذب السياحية الأساسية التي سأقضي الصباح فيها.

ذهبت في جولة حرة بدون ترتيب لشيء معين، بدون ضغوط لزيارة أماكن بعينها، ولكن كان لدي فضول لاستكشاف المحلات والبضائع المختلفة، توقفت عند محل تجميل ووجدت تخفيضًا على منتجات العناية بالبشرة وهنا بدأت المأساة فقضيت في هذا المحل ما يزيد عن النصف ساعة ثم تلاه آخر وثالث، ولم أشعر بالوقت حتى وجدت الساعة الحادية عشر ونصف، بدأت في اتجاه الرجوع للفندق ولكنني ضللت طريقي كالعادة.

الآن خمس دقائق قبل الثانية عشرًا ظهرًا، صعدت للغرفة لأتناول حقائبي ثم أسلم مفتاح غرفتي لموظف الاستقبال، ولكن تلك الأمور التي تعتقد أنها لا تستغرق وقتًا عندما تكون علي موعد تستغرق أكثر مما تتوقع.

بعدما سلمت المفتاح وجدت الساعة الثانية عشر وعشر دقائق وبيني وبين الحافلة الأولى 10 دقائق مشي ثم 20 دقيقة لأصل للحافلة التي تسافر لقرطبة، وجدت أنه من الأسلم أن أحجز “أوبر” حتى أصل أسرع.

حجزت السيارة وبدأت دقات قلبي تتسارع، وملأني التوتر، خرجت أنتظر السيارة، ولكن مر الوقت ولا شيء ، لم يظهر أي حد، الساعة الثانية عشر وعشرون دقيقة، هذا يعني استحالة لحاقي بالحافلة، توترت جدًا، واضطررت لإلغاء رحلة سيارة الأجرة، ورجعت أدراجي للفندق لأنتظر في الاستقبال لا أدري ماذا أفعل بالظبط!

فقدت الحافلة وخسرت ما يساوي 350 جنيهًا مصري، ثم أن الميعاد القادم للحافلة بعد 5 ساعات من الآن!

بدأت أبحث عن بديل، وجدت تطبيق “بلالاكار” علي الهاتف المحمول يمكنك أن تركب مع أحدهم في سيارته مقابل مبلغ مادي يكون عادة أرخص من الحافلات والقطارات، حاولت التعامل مع التطبيق ولكنه كان بالأسبانية، حاولت تغير اللغة ولكن الأمر بدا مستحيلًا، طلبت مساعدة موظف الاستقبال ولكنه كان غير مرحب بعودتي مرة أخري بعد أن سلمته مفتاح غرفتي ولم يبذل أي جهد حقيقي ليساعدني.

في هذه اللحظة شعرت أني وحيدة، وضائعة، ماذا أفعل، شعرت أن وجودي غير مرغوب فيه في الفندق ولكن أين أذهب بهذه الحقائب قبل أن أعرف وجهتي!

ثم فكرت في الحل الذي استبعدته من مخططاتي:

– القطارات.

ورغم أن القطارات هي وسيلتي المفضلة للتنقل بين المدن ولكني أعلم أن تذاكرها تكون باهظة الثمن، لذا لم أبحث عنها من البداية فأقل تذكرة قطار تصل لـ 800 و1000 جنيهًا مصريًا، وهو ما لا أستطيع تحمله مع تنقلي بين أكثر من مدينة، ولكن كانت لدي رغبة شديدة في تجربة القطار في أسبانيا، دائمًا ما أري القطارات في البلاد الأوربية، لامعة وجميلة ولكن لم يكن عندي بديل آخر، ولحسن الحظ وجدت تذكرة عليها تخفيض بنفس سعر تذكرة الحافلة شعرت بسعادة بالغة.

حجزتها علي الفور، وبدأت في التحرك رغم أن القطار كان في حدود الثالثة عصرًا، وما زال أمامي ساعتين، ولكن بعد أن فاتتني الحافلة شعرت بالخوف والتوتر، كما كان لدي شعور بالذنب وأحاسيس بالغباء ناحية نفسي لأني فوت ميعاد رحلتي.

ذهبت في لأركب الحافلة التي ستأخذني لمحطة القطار، وكما تقول أمي “احنا اللي نستني القطر، القطر ميستناش حد” .

الغريب أنه أثناء تنقلي بين قرطبة وغرناطة ثم غرناطة وملجا، لم أصادف ولا مرة تذكرة مخفضة مثل تلك التي وجدتها إلي قرطبة، ويبدو أن الله أراد أن يحقق لي أمنيتي البسيطة -ولو لمرة واحدة- بأن أركب قطارًا أوروبيًا، ركبت الحافلة ومازلت مشاعر التوتر مسيطرة علي، ورغم أن موظف الاستقبال قال لي أن الحافلة ستأخذ عشرة دقائق على الأكثر لمحطة القطار، مر ما يزيد عن 20 دقيقة في الحافلة واسم محطة القطار لا يأتي، سألت أحدهم فأكد لي أنها لم تحن بعد، وتأتي المفارقة بعد ما يزيد عن نصف ساعة في الحافلة وجدتها تمر من أمام فندقي، أي أنه كان علي أن أخذها من الجهة المقابلة للفندق وليس من حيث ركبت، وأوفر علي نفسي 30 دقيقة من اللف والشقاء وتوتر الأعصاب!

ضحكت في نفسي وعلى نفسي، فالإنسان عندما يكون متوتر يفقد تركيزه، ويتخذ قرارات خاطئة!

وصلت محطة القطار، وركبت القطار من محطة الانطلاق، ووجدت مكانًا مخصصًا لوضع حقائب السفر الكبيرة، مما أبهجني، ثم جلست في مكاني وبعثرت أشيائي إلي جواري، فقد كان لدي الكثير لأفعله، لدي تخطيط لزيارات قرطبة، ثم تسجيل ما أمر به من مشاعر ومواقف في مذكرة السفر، تلك التي أخذتها معي خصيصًا لأسجل ما يحدث لي أولًا بأول والتي بفضلها أصبحت قادرة علي سرد وكتابة كل هذه التفاصيل حتى بعد مرور ما يزيد عن شهر من عودتي من أسبانيا.

إلا أن مجيئه غير كل شيء، شاب أسباني وسيم، اقترب من المقعد وقالي لي : هل تسمحين، قلت له: طبعًا.

فقد كان هذا مقعده، ولكنه لما وجد أن علي أن ألمم الكثير من الأشياء حتى يجلس هو، قالي لي يمكنني أن أبلغ الكمسري وأغير مكاني حتى يمكنك أن تجلسي علي راحتك، أخبرته أن لا مشكلة ويمكنه الجلوس وقمت لملمت أشيائي.

كنت أكل وجبة خفيفة فدعوته لتناول بسكوت بالتمر ولكنه شكرني معتذرًا، وقالي أنه رفض دعوتي الكريمة لأنه قد تناول لتوه إحدى المثلجات من سلسلة مطاعم ماكدونالز الشهيرة.

لا أعرف كيف بدأ الكلام بالضبط بيننا ولكننا تحدثنا كأصدقاء قدامي والمثير في الأمر أنه يتحدث الانجليزية بطلاقة، قلما تجد أسبان يجيدون الإنجليزية، حكي لي أنه قضي ما يصل لـ 7 سنوات يعمل في انجلترا في وظائف متعددة منها موظف استقبال بأحد الفنادق، وأنه ترجع أصوله لمدينة قرطبة التي أنا في طريقي إليها، بينما يقيم في إشبيلية للعمل وأنه الآن ذاهب لزيارة أخته المتزوجة في قرطبة.

حكيت له عن مأساتي في فقدان الحافلة في الصباح، كنت أبحث عن شخص مًا لأحكي له ما حدث معي، وأحصل علي بعض من التعاطف، سألني عن غرض وجودي في أسبانيا، وانطباعي عن الأماكن وهكذا، أخذت أسأله عن ترشيحات أشياء أفعلها في قرطبة ولكنه قال لي إنه ليس هناك الكثير ليُفعل في هذه المدينة الصغيرة، وأنه غائب عنها منذ زمن فلا يستطيع أن يدلني.

سألني إن كنت أنوي العيش في أسبانيا أو البحث عن عمل هنا، قلت له أنني لا أستطيع العيش بدون عائلتي لفترة طويلة، أقصي مدة يمكنني أن أغيب عنهم فيها هي شهرين أو ثلاثة أشهر علي الأكثر، وأن جل ما أكرهه في النمط الأوروبي الحياة الجافة التي تخلو من الأهل والأصدقاء، حيث تجد نفسك بنهاية كل نهار وحيدًا بلا أنيس ولا شخص تحاكيه، اتفق معي وقال لي أنه جرب العيش مع عائلته والعيش بمفرده ولكنه يمتلك رفاهية الانتقال بين الأمرين.

كان حوارًا إنسانيًا مؤنسًا، كنت حقا في حاجة إليه بعد ما مر بي في الصباح، وشعرت كأنني فقدت الحافلة لأقابل ذلك الشاب الأسباني ، أول شخص أقابله في أسبانيا لا يتفحص حجابي، لا يحادثني مع الحفاظ على تلك المسافة بين الشرق والغرب، لم يبدأ حورًا معًا ليستكشف العالم الآخر الذي جئت منه، تحدث معي لأنني أنا.

تلك الألفة التي نشعر بها تجاه البعض بدون أسباب، استمرت ثرثرتنا لمدة تقارب على الساعه،كان فيها هو شخصًا كريمًا في طريقته قبل كل شيء كما عرض علي أن أيضًا أن يعطيني انترنت إذا أردت التواصل مع أهلي.

كنت أريد أن أقدم له أي شيء لأعبر له عن امتناني له، لأنه أعطاني إحساس بالطمأنينة كنت في أمس الحاجة إليه، قدمت له حلوى بطعم الفواكه هذه المرة، قبلها هذه المرة وقالي لي أني طيبة جدًا، قولت له أن هذا أمر طبيعي ولم أفعل شيئًا، حكي لي عن صديقة مصرية قابلها في لندن وعن الحلوى التي كانت أمها تصنعها له في الأعياد، لم يستطع تذكر الاسم ولكنه وصف كم كانت لذيذة.

سألته إن كان يعرف عنوان الفندق الذي سأقيم فيه، قال لي أنه قريب من بيت أخته ويمكننا أن نسير سويًا، وصل القطار قرطبة وأعطاني شيكولاتة كهدية، سعدت بها كثيرًا، فهو أيضا كان يريد أن يكافئني بأي شكل، عندما كنا نغادر المحطة، سألني عن اسمي، وقال لي أن اسمه فريدنادو أي الشجاع، وقال لي أن هذا اسم قديم وشائع جدًا، وقال لي أنه أمه اسمها فاطمة وهكذا أخته، اندهشت جدًا سألته إن كان يعرف أن هذا اسم بنت النبي محمد صلي الله عليه وسلم؟

قال لي نعم، قلت له هل لكم أصول مسلمة، قال لا، ولكن يبدو أن تأثير أهل الأندلس مازال موجودًا بشكل أو بآخر، عرض عليا أن يساعدني في حمل حقائبي، وقال لي أثناء سيرنا أنني يجب أن أكون حذرة مرتين، مرة لأن الإنسان يجب أن يكون حذر بصفة عامة والمرة الثانية لأنني فتاة.

لا أعرف هل رأي أنني ساذجة أو ربما طيبة لا أعلم، هل كل هذا من أجل الحلوى التي أعطيتها له أم من أجل الحكايات العابرة التي تشاركناها ولكنه ربما شعر أني شخص من السهل أن أحكي مع العابرين، ولكن ما الحكي إلى مع العابرين هؤلاء الأشخاص الذين نصادفهم في طرقات حياتنا بدون تخطيط منا، ولكننا نبوح لهم بكل شيء، بلا خوف من العواقب، بلا انتظار لأي لوم أو عتاب، فقط نحكي وتنتهي صلاحية قصصنا معهم بمجرد أن يغادروا.

وبالرغم من كل الخطة المحكمة التي وضعتها للأماكن السياحية في قرطبة إلا أن ما حدث شيء آخر تمامًا أحكي لكم عنه في الحلقة القادمة .

(يتبع)

عن مي مجدي

أعشق الكتابة وكل الأشياء التي تجعلني قريبة من قلوب الناس.. كن عفوي دائمًا فالأمور أبسط مما تتخيل.