الثلاثاء , أكتوبر 15 2019

(أن تتذكر ميلودي): بقلم مؤلف (صراع العروش)- ترجمة: مصطفى اليماني

كان تيد واقفًا أمام المرآة يحلِق ذقنه عندما باغته جرس الباب، فأجفل لدرجة جعلته يجرح نفسه. كانت شقته تقع في الطابق الثاني والثلاثين، وقد اعتاد أن يمنحه جاك البوّاب إنذارٌ مُسبَق عند وجود أي زوّار محتملين.

إذن، لابد أن الطارِق واحد من سُكّان البناية. إلا أن تيد لم يكن يعرف أيًّا منهم، ولم تتخطى علاقته بهم الابتسامات التي يتبادلها معهم في مصعد البناية.

صاح تيد: «أنا آتٍ»، وبوجهٍ متجهِّم جذب منشفةٍ ومسح الرغوة عن وجهه، ثم مسح جرحه بمنديلٍ ورقي، وأمام انعكاس وجهه في المرآة، علا صوته بالسب واللعن.

كان يجب عليه أن يتواجد في المحكمة بعد ظهر اليوم. لو اتَّضَح أن الطارق واحد آخر من شهود يهوه -كالذي تخطَّى جاك البوَّاب الشهر الماضي- فإن وقتًا عصيبًا ينتظره بالتأكيد.

رنَّ الطارق الجرس مرةً أخرى، فصاح تيد: «أن أتٍ بحق الجحيم». مسح الدماء عن عنقه لمرةٍ أخيرة، ثم ألقى بالمِنديل في سلّة المهملات، واجتاز غُرفَة المعيشة بسرعة حتى وصل إلى الباب.

ألقى نظرةً متمعِّنة من العين السحريَّة قبل أن يفتح، فتمتم أن: «اللعنة». قبل أن تتمكن من رن الجرس مرة أخرى، أزال تيد سلسلة الأمان وفتح الباب وهو يقول: «مرحبًا بكِ يا ميلودي».

قالت بابتسامةٍ شاحبة: «أهلًا يا تيد».

كانت تحمل حقيبة ثياب هي في واقع الأمر كيسٍ قماشي بالٍ نُقِش عليه مربّعات قبيحة ذات ألوانٍ حمراء وسوداء، بينما استُبدِل مقبضه المكسور بقطعة حبل. كان حالها يُرثى له في آخر لقاء جمعهما قبل ثلاث سنوات، لكنها تبدو أسوأ الآن، فملابسها –سروال قصير وتي شيرت يلفظ أنفاسه الأخيرة- كانت مجعَّدة وقذرة وتُبرِز مدى نحافتها، حتى أن ضلوعها كانت تظهر بوضوح من خلالها بينما بدت ساقيها كعيدان الإسباجيتي.

أما شعرها الأشقر الخفيف فلا يبدو أنها غسلته مؤخرًا وكان وجهها أحمرًا ومنتفخًا كما لو أنها كانت تبكي، لكن هذا لم يكن مفاجئًا، كانت ميلودي تبكي دائمًا لسببٍ أو لآخر.

-«ألن تدعوني للدخول يا تيد؟».

أبدى تيد امتعاضًا. كان من المؤكد أنه لايريد دعوتها للدخول، فقد عَلِم من تجربة سابقة مدى صعوبة إخراجها مرة أخرى. لكنه لايستطيع تركها واقفة في الرواق مُمسِكة بحقيبتها، فرغم كل شيء –فكر تيد بغضب- كانت صديقة قديمة ومقرَّبة.

أومأ لها قائلًا: «بالطبع، تفضَّلي».

أخذ منها حقيبتها وأسندها جوار الباب، ثم قادها إلى المطبخ ووضع بعض الماء للغلي. قال وهو يحاول الحفاظ على صوته ودودًا: «يبدو أن كوبًا من القهوة يمكن أن يمثِّل فائدةً لكِ».

ابتسمت ميلودي مرةً أخرى وقالت: «أنا لا أشرب القهوة يا تيد، ألا تذكر؟ القهوة تضر بصحتك يا تيد، كنت أخبرك بهذا دائمًا، ألا تذكر؟».

نهضت عن طاولة المطبخ وبدأت تفتِّش ضلف مطبخه وهي تسأل: «أنا أحب الشيكولاتة الساخنة، فهل لديك أيٍ منها؟».

فقال: «أنا لا أشرب الشيكولاتة الساخنة، لا أشرب سوى الكثير من القهوة».

قالت: «لايجب أن تشرب القهوة، فهي تضر بصحتك».

قال: «نعم. هل ترغبين في شرب العصير؟».

أومأت ميلودي قائلة: «لابأس».

صبَّ لها كوبًا من عصير البرتقال وأجلسها إلى طاولة المطبخ ثانيًة، ثم ألقم كوبًا ببعض القهوة بينما ينتظر غليان الماء. سألها: «إذن، ما الذي أتى بكِ إلى شيكاجو؟».

شرعت ميلودي في البكاء. استند تيد إلى الموقد ووقف يراقبها. كان بكائها مزعجًا وكانت الدموع التي تزرفها كثيرة جدًّا مقارنةً بشخص غالبًا مايبكي. لم ترفع وجهها حتى بدأ الماء في الغليان. صبَّ تيد بعض الماء في كوبه وقلَّب معه ملعقة من السكَّر.

كان وجهها أشدَّ حُمَرة وأكثر انتفاخًا من ذي قبل. توجَّهت إليه بنظرات اللوم. قالت: «صارت أحوالي سيئةٌ جدًّا يا تيد. أحتاج للمساعدة. ليس لدي مكان أعيش فيه. فكرت أنني ربما أستطيع أن أمكث معك لفترة، فقد صارت أحوالي سيئة جدًّا».

قال تيد وهو يرشف من قهوته رشفاتٍ متمعِّنة: «آسفٌ لسماع ذلك يا ميلودي. يمكن أن تمكثي هنا أيامٌ قلائل –لو أردتِ- وليس أكثر، فظروفي لاتسمح بوجود شريكِ لي في السكن».

كانت دائمًا ما تُشعِره بأنه شخصٌ حقير، لكنه فكَّر أنه من الأفضل أن يكون صارمًا معها من البداية.

شرعت ميلودي في البكاء مرًة أخرى حينما ذكر كلمة “شريك السكن” وقالت وهي تنتحب: «كنت تقول في الماضي أنني شريكة سكن جيِّدة، كنًا نمرح سويًّا، ألا تذكُر؟ كنت صديقًا لي».

ترك تيد كوبه ونظر إلى ساعة المطبخ ثم قال: «ليس لدي متسع من الوقت للحديث عن الماضي الآن.

كنت أحلِق عندما طرقتٍ الجرس. يجب أن أذهب إلى المكتب»، وتابع بوجهٍ عابس: «اشربي العصير وخُذي راحتكِ. سأذهب لأرتدي ملابسي». واستدار فجأة وتركها تنتحب أمام طاولة المطبخ.

في الحمّام، أنهى تيد حلاقة ذقنه واعتنى بجرحه جيِّدًا، وكان عقله مشغولًا بميلودي. كان يمكنه أن يُحزر من الآن أن هذا الموقف سيغدو أكثر تعقيدًا.

كان يشعر بالأسف من أجلها –فقد كان حالها مُزرٍ وكانت تعيسة للغاية وليس لديها من تلجأ له- لكنه لن يسمح لها أن تُلقي بكل مشاكلها عليه. ليس هذه المرة. لقد فعلتها مرّات عديدة من قبل.

وقف تيد يحدِّق بحيرة في خزانة ملابسه داخل غرفة نومه لوقتٍ طويل قبل أن يختار الحُلَّة الرمادية. عقد ربطة عنقه بحرص أمام المرآة، فأزعجه جرحه.

ثم تفقَّد حقيبته ليتأكَّد من أن كل أوراق قضية شركة “سينديو” موجودة، أومأ في رضى، وعاد إلى المطبخ.

كانت ميلودي واقفة أمام الموقِد تعد بعض الفطائر المُحلَّاة، فلمّا دَخَل، استدارت وارتسمت على شفتيها ابتسامةً فَرِحَة لدى رؤياه. سألته: «أتذكر فطائري المُحلَّاة يا تيد؟

كنت تحبها في الماضي، وخاصًة الفطائر المُحلَّاة بالتوت، أتذكر؟ لكني أعد فطائر عاديَّة الآن، لأني لم أجد لديك توت، ألا بأس بذلك؟».

تمتم تيد «يا إلهي»، ثم قال: «تبًّا يا ميلودي، من قال أن عليكِ إعداد أي شيء؟ لقد أخبرتكِ أنه يجب عليّ الذهاب إلى المكتب، وليس لديّ متسع من الوقت للأكل معكِ، فقد تأخَّرت بالفعل. أنا لا أتناول وجبة الإفطار على كل حال، فأنا أحاوِل خسارة بعض الوزن».

بدأت الدموع تقطِّر من عينيها مرةً أخرى: «لكن، لكن هذه فطائري المميَّزَة يا تيد. ماذا سأفعل بها؟ ماذا سأفعل؟».

قال تيد: «تناوليها، فإن زيادةً في الوزن يمكن أن تفيدك. يا إلهي، إن مظهركِ يبدو مُروِّعًا. كما لو أنكِ لم تتناولي طعامًا منذ شهر».

تغيَّرت ملامح وجه ميلودي حتى صار قبيحًا وقالت: «من المفترض أنك صديقي أيها اللقيط».

تنهَّد تيد وقال: «لا داعِ للغضب»، ثم نظر إلى ساعته وتابع: «انظري، لقد تأخرت خمسون دقيقة بالفعل ويجب عليّ الذهاب. تناولي أنتِ الفطائر واخلدي للنوم قليلًا.

سوف أعود في حوالي السادسة، ويمكن أن نتناول العشاء سويًّا عندها ونتبادل الحديث، حسنٌ؟ أهذا ما تريدين؟».

قالت وهي تبدي ندمًا مفاجئًا: «سيكون هذا رائعًا، سيكون رائعًا حقًّا».
***
لمّا وصل تيد قال للسكرتير بنبرةٍ حادَّة: «أخبِر چيل أني أريد رؤيتها في مكتبي حالًا، واجلب لنا بعض القهوة من فضلك. أنا فعلًا بحاجة لبعض القهوة».

-«حسنٌ».

أتت چيل بعد إحضار القهوة بدقائق قليلة. كانت وتيد زميلان في مكتب المحاماة ذاته. أشار لها بالجلوس وقدَّم لها أحد الكوبين وقال: «اجلسي. أريد إخباركِ أن موعد الليلة قد أُلغي، فهناك مشاكل تؤرقني».

قالت: «هذا مايبدو عليك. ما الأمر؟».

قال: «صديقٌ قديم ظهر على عتبة بابي هذا الصباح».

رفعت چيل حاجبها وقالت: «وما المشكلة؟ يمكن أن يكون لمّ الشمل مُمتِعًا».

-«لا، ليس مع ميلودي».

قالت: «ميلودي؟ اسمٌ جميل. أهي عشيقة من الماضي يا تيد؟ أم أنه كان حب من طرف واحد؟».

قال: «لا، لم يكن الأمر هكذا».

-«أخبرني إذن كيف كان. أنت تعرف أني أحب التفاصيل الحميمة».

-«كنت وميلودي شريكين في السكن أيام الجامعة، ولم نكن وحدنا حتى لا تفسِّري الأمر بصورةٍ خاطئة. كنا أربعة. أنا وشاب يُدعى مايكل إنچلهارت، وميلودي وفتاة تُدعى آن كاي. نحن الأربعة تشاركنا بيتًا كبيرًا متهالكًا لمدَّة عامين، وكنا مجرَّد أصدقاء».

سألت چيل وقد بدا الشك على ملامحها: «أصدقاء؟».

فقال لها تيد بوجهٍ متجهِّم: «أصدقاء»، ثم تابع: «بحق الجحيم، لقد نمت مع ميلودي عِدَّة مرّات، وقد نِمت مع آن كذلك، وكلاهما مارس الجنس مع مايكل مرَّة أو مرّتان، لكن عندما كنا نفعل ذلك، كنا نفعله داخِل إطار الصداقة. هل تفهمين؟ كُنّا نمارِس حياتنا الرومانسِيَّة مع آخرين أغلب الوقت، كنا نحكي مشاكلنا لبعض ونتبادل النصائح ونبكي على أكتاف بعضنا. أعرف أن الأمر يبدو غريبًا، لكنها كانت السبعينات. كان لديّ شعرٌ يصل إلى خِصري. كان كل شيء غريب».

أخذ يحرِّك كوبه في دوائر صغيرة فتناثرت بقايا القهوة في أنحاء الكوب وقد بدا مستغرقًا في التأمُّل، ثم تابع: «كانت أيّامٌ جيِّدة كذلك. أيّام مميَّزة. أحيانًا أشعر بالأسف لأنها انقضت. كُنّا مقرِّبين من بعضنا البعض، مقرَّبين حقًّا. كنت أحب أولئك الأشخاص».

قالت چيل: «حاذِر وإلّا تملَّكتني الغيرة، فلم أكن وشريكي في السكن مقرِّبين إلى بعضنا البعض»، ثم ابتسمت وقالت: «ولكن ماذا جرى؟».

مطَّ تيد شفته السفلى وقال: «القصة المعتادة، لقد تخرَّجنا وفرَّقتنا الحياة. لا زلت أذكر الليلة الأخيرة التي قضيناها في البيت القديم.

لقد دخَّنَّا الكثير من المخدرات وصار الوضع مضحكًا جدًّا، من ثم أقسمنا أن صداقتنا ستدوم للأبد، أننا لن نصبح غرباء مهما حدث، ولو احتاج أحدنا مساعدة، سيجد الثلاثة الآخرين سندًا له. ثم ختمنا العهد بـ.. بممارسة الجنس الجماعيّ».

ابتسمت چيل وقالت: «شيءٌ مؤثِّر. لم أكن أتخيًّل أنك تحمِل هذا الكمَّ من المشاعر».

تابع تيد قائلًا: «كل هذا لم يدم بالطبع، لقد حاولنا، لكن تغييرات كثيرة طرأت على الأشياء، فدخلت أنا كُلِّيَّة الحقوق على سبيل المثال وانتقلت إلى شيكاجو، أما مايكل فقد حصل على وظيفة في إحدى دور النشر في مدينة نيويورك وهو يعمل كمحرِّر الآن في راندوم هاوس للنشر، وقد تزوَّج ورُزِق بطفلين وانفصل عن زوجته. كنا نتبادل الرسائل، أما الآن فنكتفي بتبادل كروت التهنئة بعيد الكريسماس. أما آن فتعمل مُعلِّمَة وكان آخِر ماسمعته أنها تعيش في فينكس، لكن هذا كان قبل أربع أو خمسة أعوام. لم نَرُق لزوجها كثيرًا في المرَّة الوحيدة التي التقينا فيها جميعًا. لابد أن آن حكت له عن حفلة الجِنس الجماعي كما أعتقد».

-«وماذا عن ضيفتك؟».

تنهَّد قائلًا: «لقد تحوَّلت ميلودي إلى مشكلة. كانت رائعة في الكُلِّيَّة، كانت تتحلَّى بالجسارة والجمال، كان لديها روحٌ حُرَّة حقيقيَّة، لكنها لم تستطع الحفاظ على تلك الصفات فيما بعد. قضت عِدَّة سنوات في محاولة النجاح كرسَّامَة لكنها لم تكن جيِّدة بما يكفي ولم تُحرِز من تلك المحاولات أي شيء. ودخلت في عِدَّة علاقات لم ينتهي أيًّا منها على خير، ثم تزوَّجَت شاب بعد حوالي أسبوع من لقائه في حانةٍ للعُزّاب، وكانت زيجة فظيعة. كان يشرب حتى الثُمالَة ويوسعها ضربًا. استمرَّ هذا حوالي ستة أشهر، حتى طُلِّقت منه أخيرًا، إلا أنه استمرَّ في التردُّد عليها وضربها لمدَّة عام، حتى ارتدع أخيرًا. بعد ذلك، وقعت ميلودي فريسة للإدمان. قضت بعض الوقت في مصحَّة، وعندما خرجت، لم يبدو أن شيئًا قد تغيَّر. لم تستطع الاحتفاظ بوظيفة أو الابتعاد عن المخدِّرات، ولاتدوم علاقاتها أكثر من بضعة أسابيع. لقد تركت جسدها يهوى إلى الحضيض».

ومع آخر كلماته كان يهز رأسه في أسف.

زمَّت چيل شفتيها أسفًا: «يبدو أنها بحاجة للمساعدة».

اشتعل غضب تيد: «هل تظنين أني لا أعلم ذلك؟ هل تظنين أننا لم نحاول مساعدتها؟ يا إلهي. عندما كانت تحاول أن تصبح رسَّامة، دبَّر لها مايكل فرصة تصميم بعض الأغلفة لدار النشر التي كان يعمل بها. ولم تكتفي بتخطِّي مواعيد التسليم، بل دخلت في مشادة كلامية مع المدير الفنِّي، ما كاد يكلِّف مايكل وظيفته. أمّا عنِّي، فقد سافرت إلى كليفلاند وأتممت لها إجراءات الطلاق بشكلٍ مجّاني، وعدت بعد بضعة أشهر وقضيت بعض الوقت في محاولة إقناع الشرطة بحمايتها من زوجها السابق. واستضافتها آن في منزلها وقت لم يكن لديها مكان تأوى إليه وأدخلتها في برنامج لإعادة التأهيل، وفي المقابل، حاولت ميلودي إغواء صديقها الحميم، بحجة أنها كانت تريد مشاركته بينهما كما كانا يفعلان في الماضي. جميعنا أقرضها المال ولم تكن ترد أي شيء منه، وكنا نستمع إلى مشاكلها، وما أدراكِ والاستماع إلى مشاكلها. لفترة من الزمن، قبل سنواتٍ مضت، كانت تتَّصِل كل أسبوع، مكالمة على حساب المتلقِّي عادًة، تحكي فيها بعضًا من قصصها الحزينة الطازجة. كانت تبكي كثيرًا على الهاتِف. لو كان برنامج queen for a day لايزال يُعرَض حتّى يومنا هذا، لكان حوَّل ميلودي إلى ظاهرة!».

قالت چيل: «بدأت أفهم لِمَ لست فَرِحًا بزيارتها. ماذا ستفعل؟».

أجابها تيد قائلًا: «لا أعرف. لم يكن يجب علي تركها تدخل. في آخِر بضعة اتصالات لها، كنت أغلق الهاتِف في وجهها، وبدا أن هذا يؤتي ثماره جيِّدًا. كنت أشعر بالذنب في البداية، لكني تخطيت الأمر. إلا أن حالها بدا مثيرًا جدًّا للشفقة هذا الصباح، ما أفقدني القدرة على إيجاد طريقة لعدم استضافتها. أعتقد أني سأضطر للجوء إلى القسوة في النهاية وأنفجر فيها غضبًا. لن تفلح طريقة أخرى. سوف توجِّه لي الكثير من الاتهامات وتذكِّرني بالصداقة الجيِّدة التي كانت تجمعنا في الماضي والوعود التي قطعناها وتهدِّد بالانتحار. سوف تكون مواجهةً حافلة».

سألته چيل: «هل بإمكاني تقديم أي مساعدة؟».

فقال: «التقطي أشلائي بعد ذلك. من الجيِّد أن يكون لدى المرء شخص مقرَّب بعد مواجهاتٍ كهذه، ليخبره أنه ليس حقيرًا، حتى لو كان قد طرد لتوِّه واحدًا من أصدقاءه الأعزاء القدامى».
***
كان حاله مُزرِيًا في المحكمة بعد ظُهر ذلك اليوم، فقد كان عقله مشغولًا بميلودي، وكانت الاستراتيچيات التي غلبت على تفكيره تتمحور حول كيفية التخلُّص منها بأقل قدرٍ ممكن من الألم، بدلًا مما كان ينتويه. كانت ميلودي قد لعبت بأعصابه في أوقات عديدة في السابق، لكن تيد لم يكن ينوي تركها تستغلّه هذه المرة، أو تترك مشاعره حطامًا.

لمّا عاد إلى شقته حاملًا تحت ذراعه حقيبة تحوي طعامًا صينيًّا –وكان قد قرر أنه لايرغب في اصطحابها إلى أحد المطاعِم- وجد ميلودي تجلس عارية في وسط غرفة المعيشة وكانت تقهقه وتستنشق مسحوقًا أبيض اللون. نظرت بسعادة إلى تيد عندما دخل وقالت: «خُذ، لقد ابتعت بعض الكوكايين».

قال تيد: «يا إلهي»، ثم ترك الطعام الصيني وحقيبته وسار نحوها بخطواتٍ مسرعة وصاح فيها قائلًا: «لا أستطيع تصديقك. أنا محامٍ بحق المسيح، فهل تريدين إقصائي عن المهنة؟».

كانت ميلودي تضع الكوكايين فوق ورقة صغيرة مربَّعة، وكانت تستخدم ورقة مبرومة من فئة الدولار لاستنشاقه، ولمّا انتزع تيد كل هذا منها، شرعت في البكاء. دخل تيد إلى الحمّام وألقى كل شيء في ماء المرحاض المتدفِّق بما في ذلك الدولار، إلا أنه لم يكن دولارًا كما لاحظ والماء يجرفه بعيدًا عن الأنظار. كانت ورقة من فئة العشرون دولارًا، ما زاده غضبًا على غضب. وكانت ميلودي لاتزال تبكي عندما عاد إلى غرفة المعيشة.

قال: «توقفي عن البكاء، فأنا لا أريد سماع بكائك، وارتدي بعض الملابس»، ثم سألها لمّا خطر له شكٌ آخر: «من أين لكِ بالمال لشراء الكوكايين؟ أجيبيني؟».

انتزعت ميلودي صوتًا خجولًا من بين نشيجها وقالت: «لقد بعت بعض الأشياء. لم أظن أنك ستمانع. كان كوكايين من النوع الجيِّد». ثم أجفلت مبتعدةً عنه وهي تغطي وجهها بذراعها كما لو كان تيد ينوي ضربها.

لم يحتج تيد لسؤالها عن هوِيَّة مالك الأشياء التي باعتها، فقد كان يعرف، لأنها ارتكبت نفس الحيلة مع مايكل قبل سنوات، أو هذا ما سمعه على الأقل. تنهَّد تيد وكرر قائلًا: «ارتدي ملابسك. لقد أحضرت طعامًا صينيًّا».

لاحقًا، يمكن أن يحدِّد مافُقِد ويهاتف شركة التأمين.

قالت ميلودي: «الطعام الصيني يضر بصحتك، فهو مليء بمكسِّبات الطعم التي يمكن أن تصيبك بالصداع ياتيد». لكنها وقفت على قدميها إذعانًا له –وكانت تترنَّح نوعًا- وذهبت إلى الحمَّام، ولمّا عادت بعد بضع دقائق كانت ترتدي قميصًا نسائيًّا خفيفًا بلا أكمام وسروالًا مهلهلًا من الچينز. لابد أنها استقرَّت قبل بضع سنوات على أن ارتداء الملابس الداخلية يضر بصحة المرء. هكذا فكر تيد.

تجاهل تيد ذِكرها لمكسِّبات الطعم وأحضر بعض الأطباق ليقدِّم الطعام الصيني على مائدة العشاء. كانت ميلودي وديعة بما فيه الكفاية وهي تأكل طعامها، وكانت تُغرِق كل شيء في صلصة الصويا. كانت تضحك على نكتة خاصة كل بضع دقائق، ثم تعود إلى الجِدِّيَّة الشديدة وتواصل التهام طعامها. أضاءت ابتسامة واسعة وجهها عندما كسرت كعكة الحظ، فقالت بسعادة وهي تمرِّر له قصاصة الورق الصغيرة:

-«انظر ياتيد».

فقرأها تيد، وكانت تقول: «الأصدقاء القدامى هم أفضل أصدقاء».

تمتم تيد أن «تبًّا». لم يكن قد فتح كعكته حتى، فتسائلت ميلودي عن السبب قائلة: «يجب عليك أن تقرأ كعكتك يا تيد، فعدم قراءة كعكة الحظ يعود عليك بالحظ السيء».

قال وهو ينهض: «لا أريد قراءتها، سأذهب لأبدِّل تلك الحُلَّة. لاتفعلي أي شيء».

إلا أنها –بحلول عودته- كانت قد وضعت ألبومًا في جهاز التسجيل، فشعر تيد بالامتنان لأنها لم تقم ببيعه.

سألته: «هل تريد أن أرقص لك؟ هل تذكر حين كنت أرقص لك ومايكل؟ كان رقصًا مثيرًا بحق وكنت دائمًا ماتثني عليّ. كان بإمكاني أن أصبح راقصة إن أردت».

قامت ببضع خطوات في منتصف غرفة المعيشة، تعثَّرت وكادت تقع. كان مشهدًا عجيبًا.

قال تيد بكل مايملك من صرامة: «اجلسي يا ميلودي، يجب أن نتحدث»، فجلست.

ثم قال قبل أن يبدأ الكلام: «لاتبكي، هل تفهمين؟ أنا لا أريدكِ أن تبكي. لن نستطيع الحديث لو ظللتِ تبكين في كل مرَّة أحاول فيها قول أي شيء، ولو شرعتِ في البكاء ستنتهي هذه المحادثة».

أومأت ميلودي قائلة: «لن أبكي يا تيد. أنا أفضل حالًا الآن مما كنت عليه في الصباح، فأنا معك الآن، وأنت تُشعِرني بالتحسُّن».

-«أنتِ لستِ معي ياميلودي، كُفِّي عن ذلك».

غرغرت عيناها بالدموع: «أنت صديقي يا تيد، أنت ومايكل وآن، أنتم أصدقائي المقرَّبون».

تنهَّد تيد: «ما مشكلتكِ يا ميلودي؟ ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟».

قالت: «لقد فقدت وظيفتي ياتيد».

سألها: «وظيفة النادلة؟».

عندما رآها آخر مرة، قبل 3 أعوام، كانت تقوم على خدمة الزبائن في حانة بمدينة كنساس.

حدَّقَت به ميلودي في حيرة وقالت: «نادلة؟ لا يا تيد، كان هذا في الماضي، في مدينة كنساس، ألا تذكر؟».

قال: «أذكر جيِّدًا. عن أي وظيفة تتحدثين إذن؟».

قالت ميلودي: «كانت وظيفة حقيرة. وظيفة في مصنع بولاية آيوا في مدينة دي موين. دي موين مكان حقير بدوره. لقد طردوني لأنني تغيَّبت عن العمل. كنت أعاني من الإدمان كما تعلم، وكنت أحتاج إجازة لعدة أيام. كنت سأعود للعمل، لكنهم طردوني». بدا أنها على وشك البكاء مجددًا: «لم أحظى بوظيفة جيدة منذ زمنٍ بعيد يا تيد. كنت رسّامة، هل تذكر ذلك؟ أنت ومايكل وآن كنتم تعلِّقون رسوماتي في غرفكم. هل مازلت تحتفظ برسوماتي ياتيد؟».

قال كاذبًا: «أجل، بالطبع، أحتفظ بها في مكانٍ ما».

كان قد تخلَّص منها قبل سنوات، لأنها كانت تذكِّره بميلودي كثيرًا، وكانت ذكراها مؤلمة للغاية.

-«على كلٍ، لمّا فقدت وظيفتي، قال چوني أنني لم أعد أجني المال. چوني كان الشاب الذي أقيم معه. قال أنه لن يساعدني، وأن علي أن أحصل على وظيفةٍ ما، لكنني لم أفلح في ذلك. لقد حاولت يا تيد ولم أفلح. فتحدَّت چوني مع رجلٍ ما وأتى لي بوظيفة في صالون تدليك واصطحبني إلى هناك، لكن الصالون كان متدنِّي المستوى. لم أكن أريد أن أعمل في أي صالون تدليك يا تيد. كنت رسامة محترفة».

بدا أنها تنتظر منه تفاعلًا، فقال تيد: «أذكر ذلك يا ميلودي».

فأومأت مسترسلة: «ولمّا رفضت الوظيفة، طردني چوني، وصرت بلا ملجأ، ففكَّرت فيك وفي آن ومايكل. هل تذكر ليلتنا الأخيرة؟ عندما قلنا أن أيًا منا لو احتاج للمساعدة…»

قال تيد بنبرةٍ جافةٍ باردة: «أذكر يا ميلودي، ليس بقدرك، لكنني أذكر. أنتِ لم تعطي أحدنا فرصة النسيان، صحيح؟ لكن لندع هذا جانبًا. ماذا تريدين هذه المرة؟».

قالت: «أنت محامي يا تيد».

-«أجل».

قالت وأصابعها الطويلة النحيفة تنقر وجهها في توتُّر: «أعتقد أنك ربما تستطيع أن توفِّر لي وظيفةً. يمكن أن أعمل في السيكرتارية ربما، في مكتبك، وبهذا نعود معًا من جديد، كل يوم، كالأيام الخوالي. أو ربما…» أشرق وجهها بوضوح وهي تقول: «ربما يمكن أن أغدو واحدة من أولئك الذين يرسمون صورًا في قاعة المحكمة. مثل باتي هاريست وأمثالها ممن يظهرون على شاشة التليفزيون. يمكن أن أبلي حسنًا في مهنة كهذه».

قال تيد بأناة: «أولئك رسّامون يعملون لدى محطات التليفزيون، ولايوجد وظائف شاغرة في مكتبي. آسفٌ ياميلودي. لا أستطيع أن أوفِّر وظيفة لك».

تلقَّت ميلودي ذلك الرد بهدوءٍ على نحوٍ مفاجئ: «حسنٌ ياتيد، أعتقد أنني أستطيع إيجاد وظيفة. سأعتمد على نفسي حتى أجد واحدة. فقط.. فقط اتركني أعيش هنا، حسنٌ؟ يمكن أن نتشارك السكن من جديد».

قال تيد: «يا إلهي».

استلقى في مقعده وعقد ذراعيه وقال بنبرةٍ باردة: «لا».

أبعدت ميلودي يديها عن وجهها وحدَّقت فيه بنظراتٍ مستعطِفة وقالت هامسة: «أرجوك ياتيد، أرجوك».

فكرَّر أن: «لا».

قالت: «أنت صديقي ياتيد. لقد وعدتني».

قال: «يمكن أن تمكثي هنا أسبوعًا وليس أكثر. لديّ حياتي الخاصة ياميلودي ومشاكلي الخاصة. لقد ظللت لسنوات أحاول معالجة مشاكلك الخاصة، كلنا حاولنا. ولكنك لاتجلبين سوى المشاكل. في الجامعة كنتِ مَرِحة، ولكنك لم تعودي كذلك. لقد ساعدتك مرارًا ومرارًا. ولازلت ترغبين في المزيد؟».

كان غضبه يتصاعد وهو يتحدّث. قال بلهجةٍ عنيفة: «لقد تغيرت أشياء ياميلودي وتغيَّر الناس. لايُمكِن أن تلزميني للأبد بوعد أحمق قطعته وأنا واقع تحت تأثير المخدرات في الجامعة. أنا لست مسؤولًا عن حياتك. انضجي بحق الجحيم ولملمي شتات نفسك. لا أستطيع أن أفعل هذا عنك، ولقد سئمت من كل هرائك. حتى أني لا أطيق رؤيتك مجددًا ياميلودي، هل تعرفين ذلك؟».

بدأت تنتحب: «لاتقول هذا ياتيد. نحن أصدقاء. أنت صديقي المفضَّل. ولن أشعر بالوحدة مادمت بجانبي أنت ومايكل وآن، ألا تفهم؟».

أثارت ميلودي غيظه، فقال: «أنت وحدك».

أصرَّت: «لا، لست وحيدة، بل لديّ أصدقائي المفضَّلين وسوف يساعدوني. أنت صديقي يا تيد».

قال: «كنت صديقكِ يا ميلودي».

حدَّقت فيه، شفتيها ترتجفان، لاتسعفهما الكلمات. للحظات اعتقد أن السد على وشك الإنفجار، أن ميلودي سوف تنهار أخيرًا وتبدأ إحدى وصلات البُكاء. ولكن تغييرًا طرأ على وجهها بدلًا من ذلك، فقد تجلَّى عليه شحوبٍ ملحوظ، وبدأت تلوي شفتيها ببطء، واتَّخَذَت ملامحها شكل قناعٍ فظيع من الغضب. كان الغضب يجعلها بشعة.

قالت: «أيها اللقيط».

لقد سلك تيد هذا الدرب من قبل. نهض عن الأريكة وسار نحو البار، وقال وهو يصب لنفسه القليل من شراب “تشيفاس ريجال” مع الثلج: «لاتبدأي. إن ألقيتِ أي شيء، سألقي بكِ في الخارج. هل فهمتِ يا ميلودي؟».

لكنها تابعت: «أنت لم تكن صديقًا لي أبدًا أيها الحثالة، لم يكن أحدكم صديقًا لي. لقد كذبت علي وجعلتني أثق بك وقمت باستغلالي. والآن، صرتم جميعًا رفيعي المقام وعظماء بينما أصبحت أنا لاشيء ولم تعد تريد أن تعرفني أو تساعدني. أنت لم تمد لي يد العون أبدًا».

ردَّ تيد: «لقد ساعدتك عدة مرات. أنت تدينين لي بما يقرب الألفي دولار حسبما أذكر».

قالت: «المال كل ما يهمك ايها اللقيط».

رشف تيد من كوبه ونظر لها مكفهِرًّا: «اذهبي إلى الجحيم».

كان وجهها قد شحب حتى ابيضَّ لونه عند هذه النقطة. صرخت فيه: «كان يمكن أن أذهب إليه إن كان هذا كل مايهمك. لقد أرسلت لك برقيَّة قبل عامين. أرسلتها لثلاثتكم. كنت بحاجة إليكم، كنت قد وعدت أنك سوف تأتي إن احتجت إليك، وعدتني بذلك ومارست الحب معي وكنت صديقي، لكني راسلتك ولم تأتي أيها اللقيط، لم يأتي أحدًا منكم».

كان تيد قد نسي أمر تلك البرقِيَّة، لكن الذكرى عادت إليه فجأة. كان قد قرأها عِدَّة مرّات قبل أن يمسك الهاتف ويتصل بمايكل الذي لم يكن متاحًا، فأعاد قراءة البرقِيَّة مرة أخيرة، ثم مزَّقَها وألقى بها في المرحاض. فكَّر وقتها أن أيٍ من الآخرين يمكن أن يذهب إليها هذه المرة. كان لديه قضية هامَّة، دعوى براءة اختراع تخص شركة أرجراث، ولم يكن ليخاطر بتفويتها. إلا أن البرقِيَّة كانت مفعمة باليأس، ما أشعره بالذنب لأسابيع، حتى تمكَّن أخيرًا من نسيان الأمر.

قال لها بنبرةٍ دفاعية غاضِبة: «كنت مشغولًا، كان لدي أشياء أكثر أهمِّيَّة من المجيء إليكِ وإمساك يدكِ خلال أزمة أخرى».

صرخت ميلودي: «كان الأمر رهيبًا. كنت بحاجة إليك، فتركتني وحيدة تمامًا. كدت أقتل نفسي».

-«لكنك لم تقتلي نفسكِ، أليس كذلك؟».

قالت: «كنت على وشك قتل نفسي، ولم تكن لتبدي اهتمامًا».

التهديد بالانتحار كان إحدى حيل ميلودي المفضلة، وقد واجه تيد تلك الحيلة مرات عديدة من قبل، لكنه قرر هذه المرة أنها لن تنطلي عليه. قال بهدوء: «كان يمكن أن تقتلي نفسك، ولم نكن لنبدي اهتمامًا على الأرجح. أظن أنك محقة تمامًا في هذا. ولربما مرَّت أسابيع وأنت تتعفَّنين قبل أن يجدك أحدهم، ولم نكن لنسمع بالخبر قبل مرور شهور، وأخيرًا، عندما يصلني الخبر، أظن أنني كنت سأشعر بالحزن لساعة أو اثنتين وأنا أتذكر ماضينا الجميل، لكني سأذهب لاحتساء الشراب بعدئذٍ أو الاتصال بصديقتي أو ماشابه، وسرعان ما سأنسى الأمر، ومن ثم سأنسى كل مايتعلق بك».

قالت ميلودي: «كنت لتشعر بالأسف».

فقال تيد: «لا»، ثم عاد إلى البار وصبَّ لنفسه جرعة أخرى من الشراب: «لا، لا أظن أنني كنت لأشعر بالحُزن. ليس في النهاية. ولن أشعر بالذنب أيضًا، لذا، ربما يجب أن تتوقفي عن التهديد بقتل نفسك يا ميلودي، لأن تلك الخدعة لم تعد تُجدي».

ذهب الغضب عن وجهها، أطلقت نشيجًا قصيرًا، قالت: «لاتتفوَّه بمثل هذه الأشياء ياتيد، أرجوك. أخبرني أنك كنت لتُبدي اهتمامًا، أنك كنت لتتذكرني».

إلا أنه كرَّر رفضه.

ما زاد من صعوبة المواجهة أنها كانت تجلس أمامه مثيرة للشفقة، مستضعفة، تنشج، بدلًا من إلقاء الاتهامات عليه. لكنه كان يجب أن ينتهي من أمرها للأبد ويُخلِّص حياته من تلك اللعنة.

قالت في خنوع: «سأرحل عن هنا غدًا، لن أزعجك، لكن أخبرني أنك تهتم لأمري ياتيد. أنك صديقي. أنك سوف تأتي إليّ إن احتجت مساعدتك».

-«لن آتي إليك يا ميلودي، هذا أمرٌ منتهي. ولا أريد أن أراكِ هنا مجددًا، ولا تتصلي بي أو ترسلي برقِيَّات، أيًّا كانت المشكلة التي تواجهك. هل تفهمين؟ أريدك خارج حياتي، وعندما ترحلين سأعمل على نسيانك بأسرع مايمكن، لأنك ذكرى سيئة لعينة يا امرأة».

صرخت ميلودي كما لو أنه ضربها: «لا! لاتقول ذلك، تذكرني، يجب أن تتذكرني. سأتركك لحالك، أعدك بذلك، لن أراك مجددًا، لكن قل أنك سوف تتذكرني»، ووقفت فجأة وهي تتابع: «سأرحل حالًا، إن أردت مني الرحيل، سأرحل. لكن مارس معي الحب أولًا ياتيد. من فضلك. أريد أن أمنحك شيء يذكرك بي».

وابتسمت ابتسامةً شهوانيةً صغيرة وبدأت تنزع قميصها الخفيف، فشعر تيد بالغُثيان.

ترك كوبه بعنف وقال: «أنتِ مخبولة. يجب أن تحصلي على مساعدة احترافية ياميلودي. لكنني لا أستطيع توفيرها لكِ ولن أتعامل مع مشاكلك مرةً أخرى. سأخرج للتمشية الآن. سأغيب عدة ساعات، ولا أريد رؤيتك هنا عند عودتي».

سار تيد نحو الباب بينما وقفت ميلودي تراقبه وقميصها بين يديها. بدا على ثدييها الصِغر والانكماش وكان هناك وشمًا على الثدي الأيسر لم يلاحظه من قبل. لم يكن يحمل في نفسه أي ذرَّة من الرغبة تجاهها. قالت وهي تنشج: «لم أرد سوى أن أمنحك شيئًا يذكرك بي».

وأغلق تيد الباب.
***

عاد تيد عند منتصف الليل يعاني آثار الثمالة، كان مزاجه عَكِرًا، وفي نيته كان يعتزم طلب البوليس لو أن ميلودي كانت لاتزال بالداخل ليضع حدًّا لها بشكلٍ نهائي. كان جاك البوَّاب جالسًا إلى مكتبه، فتوقَّف تيد وعنَّفه لأنه سمح لميلودي بالصعود صباح اليوم، إلا أن البوَّاب أنكر ذلك بشدة قائلًا:

-«لم يصعد أحد يا سيِّد سيريللي، أنا لا أسمح لأحد بالصعود دون تنبيهٍ مسبق، يجب أن تعي ذلك. أنني أعمل هنا منذ 6 سنوات، ولم أسمح لأحد بالصعود دون تنبيه الساكن».

لكن تيد ذكَّره بعضو طائفة شهود يهوه، فدخلا في مشادَّة كلامية.

في النهاية، سار تيد مبتعدًا واستقلّ المِصعد إلى الطابق الثاني والثلاثون.

كان هناك رسمًا مثبَّتًا إلى بابه.

رمقه في غضبٍ للحظات، ثم انتزعه. كان رسمًا كاريكاتوريًّا لميلودي. ليس ميلودي التي رآها اليوم، بل ميلودي التي كان يعرفها في الجامعة، ميلودي التي كانت تتحلَّى بالفِطنَة والمرح والجمال. عندما كانا شريكان في سكنٍ واحد، كانت ميلودي دائمًا ماتترك ملاحظاتها على هيئة رسمٍ كاريكاتوريٍ لنفسها. كان يشعر بالمفاجئة لأنها لاتزال تملك القدرة على رسم تلك الملاحظات بشكلٍ جيِّد. خلف الوجه، طَبَعَت رسالة:

«تركت لك شيئًا يذكِّرك بي».

تأمَّل تيد الرسم بضيق وهو يتساءل ما إذا كان يجب عليه الاحتفاظ به أم لا. أغضبه تردده. كوَّر الورقة بين يديه، وأخذ يعبث في سلسلة مفاتيحه، باحثًا عن مفتاح الشقة. لقد رحلت على الأقل، هكذا فكر، وربما للأبد. إن تركها للملاحظة يعني رحيلها. لقد تخلص منها لسنوات قادمة على الأقل.

دخل شقته، قذف بالورقة المكوَّرَة عبر الغرفة نحو سلة القمامة، وابتسم لمّا أصاب الهدف، وأطلق صيحة نصر بصوت عالٍ جرّاء آثار الخمر وشعوره بالرضى الذاتي. توجَّه إلى البار وبدأ يخلط شرابًا لنفسه.

لكن شيئًا ما لم يكن على ما يرام.

توقَّف تيد عن خفق شرابه وأصاخ السمع. أدرك أن الماء كان يجري. لقد تركت المياه مفتوحة في الحمّام.

قال: «يا إلهي»، ثم انتابه خاطر فظيع: ربما لم تغادر بعد كل شيء. ربما لاتزال في الحمّام، ربما هي تستحم أو ماشابه، ربما جن جنونها أو أنها تبكي بالداخل، أيًّا كان. صاح: «ميلودي!».

لم يتلقّ إجابة. كان الماء يجري بالفعل، لايمكن أن يكون أي شيء آخر. إلا أنها لم تُجِبه.

صاح: «ألا تزالين هنا ياميلودي، أجيبيني بحق الجحيم!».

لاشيء سوى الصمت.

ترك شرابه وسار نحو الحمّام. كان الباب مغلقًا، فوقف تيد بالخارج. كان الماء يجري بالتأكيد. قال بصوتٍ عالٍ: «ميلودي، هل أنتِ بالداخل؟ ميلودي؟».

ولكن لاشيء. بدأ تيد يشعر بالخوف.

مد يده وحرَّك مِقبض الباب، فتحرك بسهولة بين يده. لم يكن الباب مغلقًا.

بالداخل، كان الحمَّام مليئًا بالبخار، بحيث جعل من الرؤية أمرٌ عسير، لكنه استطاع أن يتبيَّن أن ستارة حوض الاستحمام كانت مُسدَلَة. كانت مياه الدُشّ تجري بأقصى اندفاعٍ لها، ولابد أنها كانت تغلي، نظرًا لكمية البخار. تراجع تيد خطوتين وانتظر حتى يتبدَّد البخار، وفي تلك الأثناء قال بصوتٍ خافِت: «ميلودي» إلا أنه لم يتلقى أي رد.

بل كان رده: «تبًّا».

حاوَل ألّا يستحوِذ الخوف على قلبه. وقال لنفسه أنها كانت تتحدَّث عن الأمر فحسب، ولم تكن لتُقدِم عليه قط. كان قد قرأ أن الذين يتحدثون عن الأمر لايُقدِمون عليه قط. لم يكن لها غرض سوى تخويفه.

بخطوتين سريعتين توجَّه إلى حوض الاستحمام وجذب الستارة.

كانت هناك، محاطة بالبخار، تتدفَّق المياه فوق جسدها العاري. لم تكن ممدَّدَة في حوض الاستحمام، بل كانت جالسة، محشورة بين جانبيه قرب الصنبور، ويبدو عليها الصِغَر وتثير رؤياها الشفقة في النفوس. بدت وضعيتها أقرب إلى وضع شِبه جنيني. كانت مياه الدُشّ تتدفَّق عليها مباشرةً، على يديها. كانت قد شقَّت معصميها بشيفرة حلاقته وحاولت أن تبقيهما تحت المياه، لكن هذا لم يكن كافيًا، فقد صنعت شقوقًا عَرضِيَّة في أوردتها، والكل يعلم أن الطريقة الوحيدة لفعلها تكمن في صنع شقوقٍ طولِيَّة، فما كان منها إلا أن استخدمت الشيفرة في مكانٍ آخر، والآن، صار لديها فم إضافي، وكلا الفمَّين كانا يبتسما له. كان الدُشّ قد غسل أغلب الدماء، لم يكن هناك بقع في أي مكان، لكن الفم الثاني أسفل ذقنها كان لايزال أحمر اللون، يقطِّر دمًا، دمائًا كانت تسيل على صدرها، فوق وشم الوردة المرسوم على ثديها، ثديين تلقَّفتهما مياه الدُشّ، فغسلتهما. التصق شعرها بوجنتيها، فبدا رخوًا ورطبًا. كانت تبتسم، وبدت عليها سعادة غامرة. كان البخار يحوطها بالكامل. فكَّر أنها مكثت في هذه الوضعية لساعات، وأنها الآن نظيفة جدًّا.

أغلق تيد عينيه، فلم يُحدِث هذا فارقًا، كان لايزال يراها. كان يراها دائمًا.

فتحهما مجددًا، فكانت ميلودي لاتزال مبتسمة. مدَّ يده حولها وأغلق المياه، فابتل كُمّ قميصه.

عاد إلى حجرة المعيشة وهو يشعر بالخَدَر. ظلَّ يقول في نفسه: يا إلهي، يا إلهي، يجب أن أهاتف أحدًا، يجب أن أُبلِغ عن هذا، لا أستطيع التعامل مع هذا. قرر أخيرًا أن يطلب الشرطة. رفع سمّاعة الهاتف، وتصلَّب إصبعه فوق الأزرار في تردُّد. فكَّر أن البوليس لن يساعد، فطلب صديقته چيل.

عندما انتهى من حكي الأمر لها، خيَّم الصمت على الجانب الآخر من المُكالَمَة.

أخيرًا قالت: «يا إلهي، ياله من شيءٌ مروِّع. كيف يمكنني المساعدة؟».

قال: «تعالي فورًا».

وجد الشراب الذي كان يحضِّره لنفسه، فرشف منه رشفة متعجِّلة.

قالت چيل في تردُّد: «آاا، انظر ياتيد، أنا لست جيدة في التعامل مع الجثث، فلم لا تأتي أنت إليّ؟ أنا لا أريد أن… حسنٌ، نظرًا لما حدث. لا أظن أنني سوف أستحِم في شقتك مرةً أخرى».

قال مصدومًا: «چيل، أنا بحاجة لأي شخص على الفور»، ثم ضحك ضحكة خائفة غير واثقة.

فكرَّرَت: «فلتأتي أنت إليّ».

قال: «لا أستطيع تركها بالداخل فحسب».

قالت: «لاتتركها إذن، اتَّصِل بالشرطة، وسوف يأخذونها بعيدًا. ولتأتي بعد ذلك».

فطلب تيد الشرطة.
***
قال شرطي الدورية بينما وقف شريكه متجهِّمًا: «لو كانت هذه فكرتك عن المزاح، فالأمر غير مضحك».

قال تيد: «مزحة؟».

قال شرطي الدورية: «لايوجد شيء في حمّامك. ينبغي علي اصطحابك لقسم الشرطة».

قال تيد في شك: «لايوجد شيء في الحمَّام؟».

قال شريك الشرطي: «اتركه لحاله يا سام. ألا ترى أنه ثمل؟».

غادرهما تيد مُسرِعًا إلى الحمَّام.

كان حوض الاستحمام خاويًا. انحنى وتحسَّس قاعه، فكان جافًّا تمام الجفاف. لكن كُمَّيه كانا رَطبين كما هما. أخذ يُردِّد: «لا، لا». عاد مسرعًا إلى غرفة المعيشة. كان الشرطِيَّين يراقباه في اندهاش. لقد اختفت حقيبتها التي كانت إلى جوار الباب، والأطباق وُضِعت جميعها في غسَّالة الصحون، فلا مجال لمعرفة إذا كان أحدهم قد أعدَّ فطائر مُحلَّاة أم لا. قلب تيد سَلَة القِمامة رأسًا على عقب، أفرغ كل محتوياتها فوق أريكته، وبدأ يعبث في الأوراق.

قال الشرطي الأكبر: «اذهب إلى الفراش واخلد إلى النوم يا أستاذ، سوف تشعر بالتحسُّن في الصباح».

ثم قال شريكه: «هيّا بنا»، ورحلا تاركين تيد يعبث في الأوراق. لايوجد رسم كاريكاتوري على الإطلاق.

طوَّح تيد سَلَّة القمامة الفارغة عبر الغرفة، فاصطدمت بالجدار مصدِرةً صوت رنين معدني.

واستقل تيد سيارة أجرة إلى منزل چيل.
***
استيقظ في الفِراش فجأة قرب الفجر، بقلب يخفق بقوة، وحلقٍ جافّ.

تمتمت چيل من بين نومها. ناداها وهو يهزها: «چيل».

رمقته قائلة: «ماذا؟ كم الساعة الآن ياتيد؟ ما مشكلتك؟»، ثم نهضت وهي تسحب الغطاء لتستر نفسها.

-«ألم تسمعيه؟».

سألته: «سمعت ماذا؟».

قال وهو يضحك: «مياه الدُشّ في حمَّامك تجري».

حلق ذقنه في المطبخ هذا الصباح، رغم أنه لايحوي أي مرايا. جرح نفسه مرتين. آلمته مثانته، لكنه لم يخطو عتبة باب الحمّام، حتى مع تأكيدات چيل المتكررة بأن الدش كان مغلقًا. كان بإمكانه سماع صوته. أنتَظَر حتى وصل إلى المكتب. لم يكن هناك دُشًّا في الحمام هناك.

لكن چيل نظرت إليه باستغراب.
***
داخل حجرته، في مكتب المحاماة، أفرغ تيد سطح مكتبه وحاول أن يفكِّر. كان محاميًا، وكان بالضرورة يملك عقلًا تحليليًّا جيِّدًا، فحاول حل اللُغز. لم يشرب سوى كثيرٍ من القهوة.

كان يفكِّر: لايوجد حقيبة، چاك البوّاب لم يرها، لايوجد جٌثَّة، لايوجد رسم كاريكاتوري، لم يرها أحد، كان حوض الاستحمام جافًّا، لايوجد أطباق. كان مخمورًا لكنه لم يكن يحتسي الخمر طيلة اليوم، لم يشرب سوى لاحقًا، بعد الغداء. لايمكن أن يكون الخمر هو السبب، لايمكن. لايوجد رسم كاريكاتوري. كان هو الوحيد الذي رآها. لايوجد رسم كاريكاتوري. لقد تركت لك شيئًا يذكرك بي. كان قد رمى برقيَّتها في المرحاض، قبل عامين. لايوجد شيء في حوض الاستحمام.

التقط سمّاعة هاتفه وقال: «بيلي، احضِر لي إحدى صحف دي موين بولاية أيوا، أي صحيفة، لايهم».

عندما حصل على رقم الهاتف أخيرًا وأجرى الاتصال، لم يجد تجاوبًا من مديرة المشرحة التي كانت تأبى إعطاءه أي معلومات، لكنها لانت عندما أخبرها أنه يعمل محاميًا ويحتاج المعلومات من أجل قضية هامة.

كان النعي قصيرًا جدًّا. لقد عرَّفَ ميلودي فقط باعتبارها “موظَّفَة بصالة تدليك”، وأنها انتحرت في الحمَّام.

قال تيد: «شكرًا لكِ»، ثم وضع سمَّاعة الهاتف.

جلس لوقت طويل يحدِّق من نافذته. كان لديه إطلالة جيِّدة؛ فقد كان بإمكانة رؤية البحيرة وبرج شركة ستاندرد أويل المرتفع. فكَّر في الخطوة التالية. كان يشعر بكتلة خوفٍ سميكة في أحشاءه.

يستطيع أن يأخذ اليوم إجازة ويذهب إلى منزله، لكن مياه الدُشّ سوف تجري في المنزل، وعاجلًا أو آجلًا سوف يشعر بالحاجة إلى دخول الحمّام.

يمكن أن يعود إلى منزل چيل، لو قبلته چيل في منزلها. كان يبدو عليها الفتور بعد ليلة أمس. لقد رشَّحت له طبيبًا نفسِيًّا وهما في سيارة الأجرة التي استقلاها للذهاب إلى المكتب. لم تكن تفهمه. لن يفهمه أحد… إلا إذا…

التقط سماعة الهاتف مجددًا وهو يبحث في ملفاته القديمة. لم يجد بطاقة أو رقم هاتف، لقد أصبحوا غرباء عن بعضهم بالفعل. اتصل ببيلي ثانيةً: «صِلني بدار راندوم هاوس للنشر في مدينة نيويورك، أريد أن أستحدث مع الأستاذ مايكل إنچلهارت. أنه يعمل محرِّرًا هناك».

لكن عندما اتصل بالدار أخيرًا، أتاه صوتًا غريبًا وبعيدًا: «سيِّد سيريللي؟ هل أنت صديقًا لمايكل أو واحد من كُتّابه؟».

كان حلق تيد جافًّا: «أنا صديقًا له. هل هو متواجد؟ أريد التحدث إليه. إن الأمر.. ضروري».

قال الصوت: «أخشى أن مايكل لم يعد معنا. لقد أصيب بانهيارٍ عصبيّ قبل أقل من أسبوع».

-«هل هو…؟».

-«لم يمت. لقد اصطحبوه إلى المستشفى كما أعتقد. ربما يمكن أن أجد لك رقمها».

قال تيد: «لا، كان هذا كافيًا»، ثم أغلق الهاتف.

لم يكن لدى دليل “فينيكس” رقم هاتف باسم آن كاي. فكَّر أن هذا منطقي بالطبع، فهي متزوجة الآن. حاول أن يتذكر اسم عائلة زوجها، فتطلب منه التذكر وقت طويل. كان اسمًا بولنديًّا. أخيرًا تذكر الاسم.

لم يكن يتوقع أن يجدها في المنزل، فقد كان يومًا مدرسيًّا رغم كل شيء، لكن شخصًا رفع السماعة عند الرنة الثالثة.

قال: «مرحبًا، أهذا أنتِ يا آن؟ أنا تيد، أحدثك من شيكاجو. يجب أن أتحدث معك يا آن. الأمر متعلِّق بميلودي. أحتاج مساعدتك يا آن». كان يتحدث بأنفاسٍ متقطعة.

سمع ضحكة تصدر عن الطرف الآخر: «آن ليست هنا الآن ياتيد»، قالت ميلودي: «لقد ذهبت إلى المدرسة، ثم ستذهب لزيارة زوجها بعد ذلك. لقد انفصلا كما تعلم. لكنها وعدت أن تعود عند الثامنة».

-«ميلودي؟».

-«لا أعرف إن كان يمكن أن أثق بها بالطبع، فلم يكن أيًا منكم جيِّدًا في حفظ وعوده. لكن ربما تعود ياتيد. آمل أن تعود.

أريد أن أترك لها شيئًا يذكرها بي».

چورج مارتن

نُشِرَت عام 1981

ترجمة: مصطفى اليماني.

عن لأبعد مدى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.