(أماكن صنعت بطل الوشم الأبيض)| أسامة علام

عمرى الآن خمس وأربعين سنة، عشت منها الكثير مغتربًا، مهاجرًا فى بلاد الله لخلق الله، مستمتعًا بالتفاصيل الصغيرة، ومحاولًا الهرب من أزمة منتصف العمر.

شاهدت الكثير ووصلت لقناعة أن الكتابة هى علاجي النفسي الأهم لفهم كل هذه التفاصيل والمرور من الأزمات. روايتى الأولى [(واحة الزهور السوداء) -مكتبة مدبولي- 2008م] كتبت كرد فعل لزيارة واحة سيوة، والتي عدت للحكي عنها مرة أخرى في (الوشم الأبيض).

كنت أنتظر صديقًا لم يأتِ، في أحد المقاهي بمدينة (الشباب والصبا-المنصورة). وكطريقة لتمرير وقت الانتظار الثقيل، بدأت فى كتابة مشهد أسطوري عن الواحة التي زرتها.

لم تكن سيوة الاعتيادية بمنظر نخيلها العالي وآبار مياهها الساحرة، كانت هناك سيوة أخرى تعيش فى داخلي، بطلها قزم يبحث عن هويته في عالم تسكنه شخصيات أسطورية، وجني يسكن فى بئر مياه الواحة.

قصة غير اعتيادية عن الخير والشر… وعني. تمامًا كما اعتدت صغيرًا رسم عوالم مدهشة من الخيال في مراحل طفولتي الأولى. أيام كانت أسرتنا تعيش بأحد الدول العربية، ولا صداقة أمتع لطفل من مصادقة خياله.

لا أدري السبب في احتفاظي بهذا النص الذي كُتب على مقهى في انتظار صديق كان من حسن حظي أن لا يأتي، لتمر سنوات وأكتشفه مصادفة أثناء إقامتي بتولوز الفرنسية، والتي سأكتب عنها لاحقًا رواية تحمل اسم (المدينة الفاتنة)، لتكون هذه المسودة هي نواة روايتي الأولى. أنهي يومي بالمعمل الذي كنت أحضر فيه رسالة الماجستير بفرنسا، وأهرب الى أحد المقاهي بالمدينة لأدخل عالم واحتي العجيب (واحة الزهور السوداء).

أعاود خلق عالم خالص من الخيال، أبعد مايكون عن فرنسا، وحجرتي التي ينتظرني فيها أصدقائي الاعتياديون: الوحدة والهدوء والأمل.

لم أكن أطمح لكتابة رواية ونشرها بقدر الأمل فى الخلاص من الوحدة والمؤانسة وسط أشخاص أبطالي، ورغم أن هذه الرواية لم تنل أي قدر من النجاح، إلا أنها وصلت عن طريق صديق إلى الأديب الكبير الدكتور (محمد المخزنجي)، والذي تفضل بكتابة مقدمة بديعة للنص، ووسط دهشتي من المقدمة التي قرأتها وقتها عشرات المرات. اكتشفت أن لعبة الكتابة أكثر ادهاشًا من الكثير من التجارب التي حاولت الاستمتاع بها في حياتي.

هي إذًا سيوة التيأهدتني الطريق إلى الاكتشاف. لكن الطريقة أصبحت هي البحث عن الأماكن للكتابة عنها، دون الوقوف كثيرًا عند الظاهر الاعتيادي من رواد هذه الأماكن، فالأشخاص تصنعهم المخيلة، (نجيب محفوظ) هو المعلم الأهم فى هذا الفن.

فن حب المكان وترك ظلاله تخلق الأبطال، ربما هذا ماحدث معي للمرة الثانية فى روايتي[(الاختفاء العجيب لرجل مدهش) -دار دون- 2013م)، عندما فقدت زميل عمل كنديإثر عملية جراحية. وعندما ذهبت مع أصدقاء لإلقاء نظرة الوداع على جسد صديقنا الشاب كانت المفاجأة. دخلت لأول مرة فى حياة منزل لعرض جثث الموتى بمونتريال الكندية.

للمكان هيبة الموت التي حولتها الثقافة الكندية إلى طريقة عجيبة للاحتفاء بحياة الميت، طقس غريب بامتياز عن ثقافتي الشرقية. كان هناك عشرات الصور لصديقي المتوفى معلقة في كل مكان، وكأن المناسبة محاولة لتذكير العالم بكل السعادة التي عاشها صديقي الراحل

لا صراخ أو عويل أو ما ندعيه عن جلال الموت وسوداويته، وفى وسط القاعة كان وجه صديقي مبتسمًا في وجه الموت، يثبت للجميع كم كان سعيدًا في حياته القصيرة، ومن المكان العجيب تساءلت عن الشخص الذي زين الميت بكل هذه الشجاعة!

وجدت هناك (فرنسواه ليكو) بطل روايتي، شخص كندي وحيد يعيش على هامش الحياة المونتريالية، يعمل مزينًا للموتى وفنان شارع يضحك الأطفال، تناقض يحمل تطرف الموت والحياة، يبحث مثلي عن فهم الحياة، يحاول أن يحارب ظلام الموت وتلاشي الجسد، بأن يجعل الأجساد في طلتها الأخيرة مليئة بالحياة.

للمكان إذًا دور البطولة، فيصنع شرنقة الحكاية، ويخلق الدور الأهم فيإلهام الأبطال بقدرهم الذى يحرك الأحداث، رواية (زيارة إلى منزل الموتى) لـ(دستوفيسكي) أحد أوضح الأمثلة، حيث سجن سيبريا هو المكان الذى خلق الرواية وصنع مصائر أبطالها. الفرنسي(لوكليزيو) الفائز بنوبل الآداب هو أحد أهم الروائين المبدعين في فن اختيار المكان.

وربما روايته البديعة (سمكة من ذهب) أحد أهم الشواهد ازدهارًا في صنع متعة يضيفها المكان إلى سرد البطل، فالبداية من المغرب بأسطورية أماكنه، لينتقل بالبطلة المراهقة إلى مترو وشوارع باريس التي يسكنها المهاجرون غير الشرعين.

ويطير بها مجددًا إلى بوسطن الأمريكية، لينتهي بالعمل إلى العودة إلى نقطة البداية في المغرب. ثلاث قارات خلقوا رواية لكاتب جعل القارئ فى حالة اندهاش مستمر على مدار العمل. وربما لم يختلف الأمر كثيرًا في أعمال عربية شديدة الأهمية، أذكر منها على سبيل المثال: (قمر على سمرقند) لـ(محمد المنسي قنديل)، (خالتي صفية والدير) لـ(بهاء طاهر)، (صخب البحيرة) لـ(محمد البساطي)، (الضوء الأزرق) لـ(حسين البرغوثي).

للأماكن أيضًا أهميتها الخاصة فى رواية (الوشم الأبيض). باريس القرون الوسطى، مونتريال الكندية الشهيرة، مدينة مونترمبلان الصغيرة بشمال مونتريال، وواحة سيوة المسكوت عن جمالها في الأدب العربي باسثناء رواية (واحة الغروب) لـ(بهاء طاهر).

المدن الأربعة لعبت دورًا هامًا فى تشكيل روح الأبطال وأفعالهم. فمونتريال مدينتي التي أعيش بها من أكثر من عشرة أعوام، الأيقونة الكزموبولاتانية لأمريكا الشمالية، ثاني أكبر المدن المتحدثة بالفرنسية من حيث تعداد السكان بعد باريس.

مدينة مربكة لأنها تسمح لك بأن تقع فى غرامها رغم قسوتها التي ستكتشفها من الساعات الأولى لك فيها، طقس شديد البرودة شتاء بدرجات حرارة تصل إلى 30 تحت الصفر، شبح بطالة دائم التهديد فى مدينة يقصدها الآلاف سنويًا من أصحاب الخبرات العالمية والقدرات التنافسية الفذة، المدينة ذات الهوية الخاصة القادرة ببساطة على إذابة هويتك فيها، فتضع وشمها على روحك كما فعلت بي وببطل الرواية (الدكتور أشرف المدني).

مدينة المهرجانات الصيفية التي خلطت الثقافة الفرنسية بديناميكية الحياة في أمريكا الشمالية، بعمليتها ورأس ماليتها المستفذة، لتكتشف  مع الوقت أن مونتريال ليست أبدًا مدينة واحدة، هي مجموعة قرى عرقية تخلق مدينة وتصنع روحها المتفردة، وعلى خلاف العشرات من المدن التي زرتها.

تقسم المدينة إلى أحياء يسكنها جاليات مختلفة الهوية: (إيطاليا الصغير)،  وحي (سان ليونار) بكثافة من مهاجرين طليان نزحوا بعد الحروب العالمية.

حي (المغرب الصغير) -والصغير هنا كلمة تستخدم كفعل محبب على غرار قواعد اللغة الفرنسية- بأغلبية سكانه من جزائرين وتونسين ومغاربة.

(مونتريال السوداء) بشمال المدينة بأغلبيته من سكان هاييتي.

(حي أترمو) الذي يشغله أغلبية من يهود شرق أوروبا بعاداتهم الخاصة.

وبالطبع لا يمكن نسيان (القرية)، والمقصود بها قرية المثليين الجنسيين والتي تعتبر ثاني أكبر تجمع للمثليين فى أمريكا الشمالية.

هذا بالإضافة إلى أحياء ذات أغلبية بيضاء من سكان المدينة الكندين الفرنسيين كحي (رزموه)، أو الفرنسيين ممن هاجر حديثًا من فرنسا كحي (البلاتوه)، أو الكنديين متحدثي الإنجليزية كحي (الجزيرة الغربي).

إذًا نحن هنا بصدد التحدث عن مدينة هويات متعددة بامتياز، الأمر الذي يربك بطل الرواية ويربكني، كما يربك الملايين من سكانها. تستمع إلى عشرات اللغات يوميًا في وسائل المواصلات العامة.

ويتنوع المطبخ المونتريالي في مدينة تشتهر بالسهر والمطاعم، الأمر الذي يضع بطل رواية (الوشم الأبيض) في ذلك التماس الدائم مع أبطال الرواية، دون الاهتمام كثيرًا بخلفياتهم الثقافية المتلونة كالمدينة: (مود) السمراء الكندية ذات الأصول الافريقية، (كارما) الرجل الأبيض الذي قرر تحويل جنسه متتبعًا أسطورته الخاصة، (تيكانا) السيدة التي تنتمي لشعب السكان الأصليين، جد وجدة مود بالتبني أصحاب الأصول الفرنسية.

• المصدر: كتاب (من وحي رحلة).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)