صعوبات حصر أحداث فيلم كامل داخل غرفة

من خصائص (السينما) التي تميزها عن (المسرح)، أن الأخير محكوم بعرض أحداثه فوق خشبة محددة المساحة، بعكس الفيلم التي يمكنها التنقل بالكاميرا لتصوير مشاهد حية (داخلية أو خارجية).

ماذا لو قرر أحدهم الاستغناء عن تلك الميزة تمامًا، وحصر الأحداث داخل مكان واحد محدود؟

صحيح أن (التنوع) أداة سينمائية حيوية، لكنه ليس فرضًا.

لا يوجد قواعد جامدة ملزمة، بل يستطيع أي مبدع أن يكسر عنصر معتاد أو أكثر، بشرط أن يغطـي علـى تلك النقطــــة، من خـلال حسـن استغلال وإدارة العناصر الأخرى.

الفيلم الأوكراني (The Tribe) –مثلًا- تجاهل أهمية (الحوار) المسموع، ليقدم نفسه كفيلم معاصر شبه صامت.

(Cold war)، (Cin city)، (Pleasantville) كلها أفلام معاصرة –أيضًا- رغم أن معظم مشاهدها بالأبيض والأسود.

أعمال مثل (Locke) و(Buried) تخلت تطوعًا عن استقدام طاقم تمثيلي متنوع، واكتفين بممثل واحد على الشاشة.

من هذا المنطق، ظهر ما أحب أن أسميه بـ (أفلام الغرفة)، أقصد بها كل عمل سينمائي تدور معظم أحداثه في مكان واحد، محدود المساحة، يقع بين جدران.

أحد أعرق أفلام هذه النوعية (12 رجلًا غاضبًا)، كان مسرحية في الأصل، وبعد نجاح نسخته السينمائية، صار –بدوره- ملهمًا لعشرات التجارب التي حذت حذوه.

لكن لا يمكنني الادعاء بأن كل من لاذوا بثيمة (أفلام الغرفة)، كانوا– بالضرورة- تحت سطوة (التأثر المسرح) ، فهناك من هم معجونون بشغف السينما مثل (هيتشكوك)، أقدموا على مثل هذا النوع من كاستجابة لإغراء التجريب (خلق حبكة شيقة داخل مساحة محدودة جدًا).

كما تعد (أفلام الغرفة) –كذلك- اختيارًا محببًا للسينمائيين المستقلين، لأسباب تتعلق بـ «الاسترخاص»، بالذات من يطمحون لإنتاج فيلمهم الأول، فيرغبون في صناعة عمل فارق بأقل الإمكانيات، لا توجد طريقة لتحقيق ذلك، أفضل من حصر الأحداث داخل مساحة محدودة، مما يعني ديكورات وممثلين أقل.

فيما يلي أهم التحديات والخصائص التي تتسم بها (أفلام الغرفة):

■ الفكرة والمعالجة:

لعل أول وأكبر تحدي يواجه (أفلام الغرفة) يكمن في إيجاد الفكرة المناسبة.

لا أخفي سرًا أن أغلب أفلام القائمة التالية، جعلتني اعتدل في مقعدي عندما شاهدتها أول مرة، لأتساءل: (كيف خطرت للمؤلف)!

بغض النظر عن هذا التحدي الصعب، أعتقد أن البعض قد يعثرون على أفكار جيدة بالفعل، إلا أنها بالكاد يمكن توظيفها كسيناريو فيلم قصير، كيف ينجح البعض في جعل الأحداث تمضي قدمًا طوال فيلم مدته ساعة ونصف على الأقل، داخل إطار نفس المساحة الضيقة للغرفة!

قرأت معلومة –غير مؤكدة- أن فكرة فيلم (كابينة هاتف) كانت مشروعًا مؤجلًا تناقش فيها (هيتشكوك) مع المؤلف الشاب حينذاك (لاري كوهين)، إلا أنهما عجزا عن إيجاد فكرة لإبقاء الأحداث محصورة في شكل مكالمة هاتف طويلة، توفي (هيتشكوك) عام 1980م، وظلت الفكرة مجمدة حتى التسعينيات، تأخر الإلهام على شريكه (لاري) لمدة عقود، حتى خطر له الحل أخيرًا، متمثلًا في إضافة (قناص) يهدد البطل.

ملحوظة:

ربما فشل (هيتشكوك) في التعامل مع فكرة (كابينة الهاتف) إلا نجح في فيلمين آخرين، سنتناول أحدهما في القائمة التالية.

■ الميزانية:

كثيرًا ما نرى أموالًا طائلة، تضخها شركات الإنتاج الكبرى، لتثمر في النهاية عن أفلام تم تصويرها في عدة دول، ومع ذلك.. تخرج فقيرة على مستوى الإثارة والحبكة.

في المقابل، توجد أعمال أخرى –على العكس تمامًا- ذات الميزانية المحدودة، نجحت في التحلي بالتشويق، مع أنها تدور بالكامل داخل حيز مكاني محدود.

هذا ما سنجده متجليًا بوضوح في أغلب أمثلة الأعمال التي يتناولها الكتيب.

■ الشخصيات:

«إذا ضاقت الجغرافيا، يتسع العمق النفسي».

لاحظوا أن الأفلام التي تدورها أحداثها في أكثر من موقع تصوير، ربما تسمح بوجود شخصيات رئيسية ثلاثية الأبعاد، وأخرى هامشية، إلا أن هذه الرفاهية ليست متاحة لـ (أفلام الغرفة)، فالسيناريست –غالبًا- يسعى للاحتيال على عنصر المساحة الضيقة،  باستخدام حلول، أحد أبرزها (التعمق في رسم الشخصيات).

من السمات الأخرى التي يسهل ملاحظتها في (أفلام الغرفة)، أن معظمها يعتمد على البطولة الجماعية، حيث لا تسمح المساحة الضيقة بالتركيز المطلق على بطل أوحد، يستثنى من ذلك نوعية نادرة خصصنا لها فصلًا فرعيًا بعنوان (أفلام غرفة- نجاة- فرد).

■ التصوير:

كيف كانت الكاميرا تمنحنا تتحرك داخل الغرفة، لتمنحنا كادرات تجمع 12 شخصًا؟

شغلني هذا السؤال كثيرًا أثناء مشاهدة (12 رجلًا غاضبًا)، الذي تميز بسلاسة حركة الكاميرا رغم ضيق المساحة، وكثرة عدد الأبطال. ثم انتبهت فيما بعد بأن الفيلم المصري الرائد (بين السما والأرض)

خاض تحدي أكثر صعوبة بمراحل.

– كيف نجح (صلاح أبو سيف) في تصوير مشاهد العمل، التي تقع أغلبها داخل مصعد ضيق، حشر داخله  13 شخصًا؟

ببعض البحث على الانترنت، عرفت أن (أبو سيف) بنى داخل الأستوديو ديكور مصعد، يتميز بسهولة فك كل جدار به، بحيث تستطيع الكاميرا التنقل بين الجهات الأربع، وفرت لهم رفاهية الحصول على لقطات أمامية لممثل أو أكثر، مع إيقافهم في موقع متقدم عن الباقين، عن الرغبة في تصدرهم –بالذات- لكادر ما.

هذه الفكرة جعلت المتفرج يشعر بوجـود مساحة أوسع مما كان يمتلكها المصعد بالفعل، كما لم يخلُ الفيلم من اللقطات العلوية التي تم توظيفها للتعبير عن التكدس والاختناق في حالة مثل (الذعر بسبب هزة المصعد المفاجئة، أو رد فعلهم تجاه حالة الوفاة). أو حتى لقطات مقربة لتفصيلة بعينها كـ (صينية البطاطس) أو (يد النشال). لا ننسى أن (أبو سيف) بدأ حياته المهنية كـ (مونتير) قبل أن يكون (مخرجًا).

بالمناسبة، تلك التقنية هي نفس ما خمنت أن فيلم (مدفون Buried) تم تصويره بها.

■ الإضاءة:

يقول المخرج السويدي (روي أندرسون) إنه يجعل الإضاءة عالية في المكان كله دون تباين أو ظل، لكي يكشف الشخصيات أمام نفسها فلا تجد أمامها مهربًا من الحقيقة، يحقق النيون والتباين عكس تلك المقولة، فالشخص الذي تراه ليلًا وسط أضواء المدينة يختلف عما تراه صباحًا.

وجهة نظر (أندرسون) تلفت النظر إلى قاعدة وجيهة جدًا، أول لنقل أن كلمة (قاعدة) –أصلًا- تعتبر في غير محلها، لا قواعد جامدة في الأدب أو الفنون عمومًا، لذلك من الأصوب أن نستبدلها بكلمة (يُحبذ).

يحبذ استخدام الإضاءة الطبيعية، لكن ثيمة (أفلام الغرفة) ذاتها تخالف (تحبيذات فن السينما)، وتتشبه بـ (المسرح)، لذلك ليس من الغريب أن يتمادى صانعوها في التجريب على مستوى العناصر السينمائية الأخرى، منها (الإضاءة). طالما نتحدث عن أفلام داخل غرفة، فأغلب المشاهد (داخلي)، رأينا بعض غرف سلسلة (Cube) مضاءة بالأخضر، وأخرى بالأزرق. نفس الشيء تكرر في (امتحان Exam).

يحق لشريحة للجمهور أن تراه أسلوبًا مزعجًا للعين، بينما قد يرى بعض المشاهدين الذواقة، أن الإضاءة الملونة أدت وظيفة مهمة، بالذات في فيلم (امتحان) و(مكعب)، ربما لإذابة فوارق بين أبطال متعددي الأعراق، والتوحيد بينهم أمام عيون المشاهد.

لعبت الإضاءة دورًا بارزًا –كذلك- في فيلم (مدفون)، سنتحدث عنه في حينه.

■ المونتاج:

قبل عدة سنــوات، كنت أسمع كلام المتخصصين عن أهمية دور (المونتاج) في صناعة أي (فيلم)، لدرجة القول بأن (الفيلم يمكن إعادة إخراجه بالكامل داخل غرفة المونتاج)، ظننتها مبالغات حينذاك، لماذا يتعاملون مع تلك الوظيفة باعتبارها تتطلب إبداعًا، بينما الإبداع الحقيقي يتمثل فيما قام به المخرج ومدير التصوير؟

عرفت مدى خطأ هذه الفكرة، عند اشتراكي في أحد الكتب الجماعية، حيث طلب منا الناشر كتابة النبذة التي توضع على ظهر الغلاف. فأرسلت إليه سبعة أسطر ظننتهم صالحين لأداء الغرض، إلا أن الناشر خالفني الرأي، وقام بإعادة ترتيب العبارات، ففوجئت بالأثر الفارق لهذه الخطوة. إذ تحسنت الصياغة بشكل ملحوظ، مع أنه لم يضف كلمة واحدة.

منذ ذلك الحين، صرت أنظر بعين مختلفة إلى وظائف (الديسك الصحفي، المحرر الأدبي، المونتير السينمائي)، فبدأت أبصر الكثير من العوامل المشتركة بينهم، لم تخطر لي من قبل.

تحدثنا سابقًا عن مدى صعوبة إدارة حركة الكاميرا في (أفلام الغرفة). لكن بعد انتهاء التصوير، تذهب جميع اللقطات المصورة إلى حجرة (المونتاج)، ليأتي الدور على مرحلة (تقطيعها وإعادة ترتيبها). وهو ما يحتاج إلى (المونتير) يمتلك حساسية يد الـ (جراح)، لأن بيده تحويل توليف المادة المصورة بطريقة تقتل الفيـلم، أو تحييه.

■ ردود الفعل:

عندما بدأت البحث في موضوع (أفلام الغرفة)، عكفت على مشاهدة نماذجه البارزة، لدرجة أنني ظننت بأن كل فيلم يدور داخل غرفة، إذن هو بالضرورة رفيع المستوى.

بمزيد من البحث، اتضح أن هذا غير صحيح، فأفلام الغرفة -كأي ثيمة أخرى- بها معالجات متباينة الجودة داخل إطارها، ما بين المتميز جدًا والمتوسط والرديء.

وكأي نوعية أفلام أخرى كذلك، تنوعت أولويات صانعيها من ناحية شريحة الجمهور المستهدف، بعضهم نجحت على المستوى الجماهيري، ومنهم أيضًا أفلام نخبوية من التي تنال حفاوة النقاد وتحصد جوائز (حرصنا على تغطية كلا الاتجاهين في القائمة التالية)، بالنسبة لرأيي الشخصي، يمكنني تقسيمهم إلى:

■ الأكثر إمتاعًا: امتحان، معجزة، 12 رجلًا غاضبًا، نافذة خلفية، بحث.

■ الأعلى فنيًا: الإله في المحاكمة، غرباء بالكامل، الدائرة، 12 رجلًا غاضبًا.

■ الأكثر ابتكارًا: مدفون، رجل من الأرض، غرباء بالكامل، الدائرة، معجزة.

■ ملحوظة: أفلام الفئات السابقة، مذكورين بدون ترتيب.

■ جـائزة خاصـة لـ (الابتكار في تكنيك السرد)، تذهب إلى فيلم (بحث).

_________________________

• مقدمة كتاب (أفلام غرفة)، لتحميله في صيغة PDF كاملًا من (هنا).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى)