(أفكار شيطانية): قصة من أدب الرعب- محمد عبد العليم

أنهت سهام عملها ونظرت الى ساعة الحائط المعلقة في مكتبها الفاخر لتفاجأ بأن الساعة تجاوزت الحادية عشر فخلعت نظارتها الطبية مغمضة عينيها قليلًا قبل أن تلملم حاجياتها وتستعد للانصراف قبل أن تتوقف قليلًا لتنظر من الجدار الزجاجي خلف مكتبها الى النيل الذي يشرف عليه مبنى الشركة العملاق والذي يصل عدد طوابقه إلى 50 طابقًا ليكون أعلى بناء في مصر كلها، تحتل شركتها الطوابق الخمس الأخيرة منه ثم أطفأت الانوار وخرجت من مكتبها على عجل.

جميلة هي، تجاوزت الاربعين الا انها لم تتزوج، ترى ان الزواج ضعف وعقبة في سبيل النجاح، انها المديرة التنفيذية لهذه الشركة.. الموظفين يسمونها المرأة الحديدية، وهي تسمية مناسبة لها جدا ان شئنا الدقة، فهي بالفعل حديدية الطبع والملامح حتى يظن من يتعامل معها انها آلة او تمثال من شمع لا حياة فيه ولا انفعال.

ناجحة هي وموضع ثقة مجلس إدارة الشركة رغم كره الجميع لها، وأعني بالجميع هنا موظفي الشركة اللذين يعانون منها الويلات.. لم تكن تتردد لحظة وهي توقع جزاء قاصي أو تأمر بالاستغناء عن بعض العمالة.. كثيرا ما تكرر مشهد الاسترحام أو الاستعطاف من أحد المطرودين من الشركة -لأسباب تافهة في الغالب– حتى وصلت بأحدهم محاولة تقبيل قدمها مستعطفا إياها بأبنائه اللذين سيجوعون إن انقطع مصدر رزقه.

ولكنها كانت دومًا المرأة الحديدية ذات القلب الحجري الذي لا يلين أو يرق، كانت دومًا تعتبر العطف والشفقة ما هي الا عوامل الفشل ولكي تنجح فعليها ان تدوس على كل من يعطلها دون رحمة.

خرجت الى الممر المؤدي الى المصعد فوقف موظف الامن الجالس على كونتر أمام مكتبها وتوجه ناحيتها بسرعة ليحمل حقيبتها ويتقدمها الى المصعد ويدوس زر استدعاءه وينتظر دقيقة قبل أن يصل المصعد الى الطابق ويفتح ابوابه فدلفت سهام إليه دون كلمة ومدت يدها للتناول حقيبتها منه وهي تتفحصه بدقة، ثم قالت ببرودها المعهود:

– ربطة عنقك غير معقودة جيدًا.

امتقع وجه الرجل وهو يمد يده بسرعة الى ربطة عنقه وهو يعرف معنى هذه الجملة جيدًا.

ثم قالت ما توقعه:

– خصم 5 أيام.

وقبل أن يفتح فمه بأي كلمة كانت تضغط زر إغلاق الباب فشحب وجه الرجل وشعر بغصة في حلقه وقال بصوت خفيض مخافة أن يصل صوته لها:

– حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا ينتقم منك.

ضغطت زر الطابق الارضي وانتظرت لحظة قبل أن يتحرك المصعد في طريقه للنزول.

تعلم أنهم يكرهوها ولكنها لا تهتم، العمل لا قلب له هذا هو مبدأها.

هبط المصعد طابق واحد ثم توقف في الطابق الـ 49 فشعرت بالدهشة.. ألا يزال هناك أحد في الشركة؟

فتح باب المصعد ببطئه المعهود لترى شابًا وسيمًا في منتصف الثلاثينات يرتدي بذلة كاملة ويمسك حقيبة منتفخة ويبتسم لها ابتسامة لم تفهم معناها، دلف بهدوء إلى المصعد وهز رأسه محييا ويقف بجوارها بهدوء.

كانت تعرفه جيدا فهو أحد الموظفين في قسم الحاسب الآلي يدعى (سالم) ولكن ما جعلها تتذكره جيدًا لأنها وقعت اليوم قرار فصله!

لأحد تلك الأسباب التافهة التي قد لا يلتفت إليها أحد ولكنها بالنسبة لها جرائم تستحق الفصل الفوري.

تساءلت في صرامة:

– لماذا مازلت هنا؟؟

رفع حقيبته المنتفخة قليلًا، وهو يقول:

– كنت ألملم متعلقاتي الشخصية.

توقعت أن يبدأ في استعطافها ومحاولة اثنائها عن قرارها ولكنه ظل هادئًا ولم يعلق بكلمة اخرى والباب يغلق ليستمر المصعد في رحلة هبوطه.

هبط المصعد ثلاثة طوابق أخرى وبين الطابق 46 و45 توقف.

راحت سهام تضغط أزرار المصعد مرارًا ولكن المصعد ظل على حاله.. وصمته.

ضغطت زر الانتركم في محاولة لاستدعاء من يحل مشكلة المصعد ولكن الانتركم لم يستجب.

توترت قليلًا والتفتت الى سالم الذي ظل هادئًا ومبتسمًا نفس الابتسامة التي لم تفهمها.

قالت بتوتر:

– ما الذي يحدث بالضبط؟ لم يحدث شيئًا كهذا من قبل؟

لم يجبها سالم وانما توجه بهدوء الى ركن المصعد ووضع حقيبته جانبًا ثم خلع جاكيت بذلته ووضعها فوق الحقيبة وفك ربطة عنقه ووضعها فوقها ثم فك أزرار أساور قميصه وراح يطويه بهدوء وهو ينظر إلى سهام بنفس ابتسامته التي فهمت سهام الآن أنها ابتسامة متشفية ساخرة.

تراجعت سهام بخوف الى الركن الاخر للمصعد وهي تضم يدها الى صدرها، وكأنما تستمد منها الحماية وراحت تراقب ما يفعله سالم بتوجس وقد ملأ الشك نفسها من نواياه.

خلع سالم حذاءه ثم جلس في ركن المصعد بنفس الهدوء وهو يقول لسهام:

– معذرة فالأمر سوف يطول قليلًا، لن يتحرك المصعد قبل ساعة من الآن، ولا اعتقد انك ستبقين واقفة طوال الساعة.

تعجبت من كلام سالم:

– وما أدراك؟

مط شفتيه كأنما هذا أمر بديهي، وهو يقول:

– لأنني أعلم ذلك وكفى.. المصعد لن يتحرك من هذا المكان قبل ساعة من الآن.

لم يبد عليها الاقتناع وهي تحاول مرارًا الاتصال بالانتركوم، أو ضغط أزرار المصعد قبل أن تتوقف بيأس والتفتت إلى سالم الذي لم يبدل من جلسته الهادئة، وقالت بعنف:

– ما الذي يحدث؟ أنت تعلم شيئًا.. هل أنت وراء هذا الأمر السخيف؟ هل ترغب في الانتقام مني لاني فصلتك؟

عاد سالم ليمط شفتيه بتلك الطريقة التي تدل على البديهية:

– ليس بالضبط .. فأنا لم اعطل المصعد ووسائل الاتصال كي أحبسك هنا، ولكني أدعي أنني من أوقعتك في هذا المأزق.

بدا عدم الفهم وجه سهام ولاذت بالصمت في حين أكمل سالم ببساطة:

– نعم أنا من أوقعتك في هذا المأزق وأعلم أن المصعد سيمكث هنا ساعة كاملة.

ثم رفع ساعده لينظر إلى ساعته قائلًا:

– 55 دقيقة إذا شئنا الدقة.

ثم قال ببطء: كما أعلم أن حبل الجر الاول سينقطع بعد خمس ثوان من الآن.

ارتسمت نظرة بلهاء على وجه سهام وهي لا تفهم معنى ما يقوله ولكن في اللحظة التالية أحست بأن شيئا ما انقطع بأعلى المصعد فارتج بعنف قبل ان يهدأ ويستقر مرة أخرى.

ارتجف قلب سهام فزعًا والتصقت بزاوية المصعد وقالت برعب:

– ماذا حدث؟

كان سالم في مكانه كأن شيئا لم يحدث فرد:

– كما أخبرتك حبل الجر الأول انقطع ويتبقى 3 آخرين سينقطعون قريبًا على التوالي خلال الساعة القادمة وفي النهاية سيسقط المصعد سقوطًا حرًا من الطابق 45 ليرتطم بالأرض.

شحب وجهها وهي تستمع لما يقوله سالم وقالت:

– أنت مجنون، حتما مجنون.

قال بجدية:

– مع الأسف لست مجنونا، وإن كنت أتمنى في كل لحظة أن أكون كذلك.

أحست أنها غير قادرة على الوقوف اكثر بعد هذا التوتر الذي تمر به فخلعت حذائها ذو الكعب العالي وجلست مسندة ظهرها الى جانب المصعد الآخر وقالت:

– إذا كان المصعد سيسقط كما تقول فلماذا تجلس معي هنا؟ لماذا لم تتركني اهبط بالمصعد وحدي لأوجه الموت؟

قال سالم:

– لأنني لا أستطع أن أتحمل دمًا جديدًا على عاتقي وضحية جديدة تؤرق منامي.

انكمشت على نفسها وقالت بصوت مبحوح:

– ضحايا؟! هل أنت قاتل؟!

بدت المرارة على وجه سالم وهو يقول:

– أنا لم أقتل أحدا إن شئت الدقة ولكني اتحمل دماء العديد من الاشخاص اللذين تسببت في موتهم.

لم تفه سهام بكلمة وهي تستمع الى سالم الذي استمر في حديثه، قائلًا:

– لا يزال أمامنا 50 دقيقة أخرى قبل سقوط المصعد فلا بأس من أن أزجي الوقت معك بتفسير الأمر إذا لم تمانعي.

لم يكن سالم ينتظر موافقتها فاستمر يحكي:

– منذ طفولتي وأنا إنسان بسيط، شخص عادي لا يميزه شيء فلا أنا بالعبقري في دراستي ولا بالفاشل، لست بالإنسان الملتزم التقي الورع ولست أيضًا بالشيطان ولا الشرير أو الفاسق العربيد، بمعنى آخر أنا إنسان ممل، روتيني، لا اختلف عن ملايين ممن هم أمثالي.

عدل من جلسته وهو يستكمل:

– لست شريرًا بطبعي، ولكني عثرت في رأسي على شيطان كامن يحمل من الشر ما لا يطيقه بشر.

نعم بلا أي مبالغة فإن رأسي يحمل من أفكار الشر ما تعجز الشياطين عن المجيء بمثلها، عندما يسرح الإنسان الطبيعي بأفكاره فهو غالبًا ما يفكر في حياته ومستقبله أو ماضيه، يفكر في أفكار سعيدة أو هموم يتمنى زوالها.

أما أنا فالأمر يختلف.

فما أفكر فيه دومًا أمورًا لا يمكن أن يفكر فيها إنسان طبيعي، جثث، دماء، قتل وذبح وسلخ، أمور تجعل معدتك تلفظ ما فيها اشمئزازًا.

في البداية ظننت أن الجميع يفكرون مثلي ولكني اكتشفت ان الأمر ليس كذلك من نظرات الذهول والفزع التي كانت ترتسم على وجه من أقول لهم ما أفكر فيه، ومع الوقت تعلمت أن أحتفظ بأفكاري لنفسي وأنا أحيا حياة أتخيل أنها طبيعية.

ولكن للأسف فالأمور لا تسير بهذه البساطة، فلعنتي لم تتوقف على ما يدور في رأسي من أفكار أقل ما توصف به أنها شيطانية، ولكن لعنتي زادت على ذلك شيئا آخر جعل حياتي جحيمًا متواصلًا.

نظر الى ساعة معصمه وهو يقول:

– ما زال لدينا بعض الوقت يمكن أن أحكي لكي مشهدًا او اثنين من حياتي أو بمعنى آخر مأساتي.

(يتبع)

عن لأبعد مدى