أزمة فقر المحتوى الموجه للطفل: (2) الأدب

في التقرير السابق، استعرضنا الأزمات التي تواجه مجلات الأطفال، في هذا السطور التالية ننتقل إلى الحديث عن جانب آخر من أزمة فقر المحتوى الموجه للصغار.. يتمثل في (الأدب والكتب).

سنسعى إلى محاولة تغطيتها من واقع وجهات نظر (مؤلف- قارئة- ناشر).

**********

يعاني أدب الطفل العربي من هيمنة العديد من المؤسسات التي تحدد ماهية ذلك الأدب (نقاد علم نفس الطفولة، الجوائز، مؤسسات نشر).

دائرة واحدة، تعلي من القيم الأخلاقية على القيم الفنية، وتصبح هي البوابة الرسمية لأدب الطفل، دون وجود الهامش:

كتابات مختلفة تنحاز إلى القيم الأخلاقية ذاتها، لكن بتراتبية مختلفة، بدلًا من الوصاية تقوم على الاستقلالية، وبدلًا من الطاعة تقوم على الاستكشاف، وقبل ذلك تعلي من فنية النص. غياب هذا الهامش يجعل صناعة أدب الطفل مقتصرة على الكتابة الوعظية أو الكنسية – وفقًا للمصطلح الذي ميز كتابات أدب الطفل الغربي مبكرًا قبل أن ينضج.

لسنا أمام سوق للنشر في أدب الطفل، على الأقل في مصر، مكتبات لا تهتم بهذا اللون، وقراء لسنا نعرفهم، وبذلك فإن الجوائز العربية تصبح غاية الناشر وكتاب الطفل، على أمل الوصول إلى القراء، أو تعويض تكاليف الطباعة المرتفعة في أدب الطفل، نظرًا إلى الورق المستخدم، والرسومات، وغيرها. هذا ما يجعل من الدائرة المشار إليها في البداية، دائرة مغلقة.

أعتقد أن علينا إعادة السؤال، ما الذي يجعلنا ننظر إلى أدب الطفل: نظرة دونية، ولماذا نحدده بالوظائف التربوية فقط، دون أن ندع الفن يفعل ما يريد، غاية الفن هو الجمال، والجمال قادر –وحده- على تغيير منظورنا للأشياء ولمس أرواحنا.

إذا أجبنا على هذا السؤال، قد نرى، على امتداد الخيط، موقع الأدب العربي من القضايا الكبرى، الوظائف والأدوار المنتظرة، من ذلك الأدب في تقديم قوارب للنجاة، وهمية، للإنسان، ولن تكون مشكلات أدب الطفل بمعزل عن مشكلات أدب الكبار أيضًا، في ظل نظرتنا الكلاسيكية إلى دور الأدب، في ظل رغبتنا المجنونة في الوصول إلى الخلاص: كأننا نحمل الفنانين خطايا الساسة!

• مصطفى الشيمي: روائي ومؤلف ومسرحي مصري، وصل عامي 2018م و2019م إلى القائمة القصيرة لجائزة هيئة المسرح العربي- الطفل، عن مسرحيتي (القفص الذهبي) و(ملك في مدينة العجائب). حصل عام 2019م على جائزة كتارا للرواية العربية- فرع أدب الفتيان، عن رواية (القط الأسود)، أتبعها في نفس العام بجـائزة منشـورات إبيدي في أدب الطفـل، عن قصـة (الأرنب هو الثعلب).

**********

اخترت التخصص في تقديم الكتب المتميزة في أدب الأطفال عبر صفحة علي الفيسبوك ومن قبلها قناة على اليوتيوب بعد نجاح تجربتي إلى حد ما في القراءة مع أولادي. أنا أم لثلاثة أطفال أعمارهم ١١ و١٠ و٣ سنوات، كنا نقرأ بكثافة في طفولتهم المبكرة قبل دخول المدارس وفي العامين الأولين في الدراسة، مع تقدمهما في الدراسة أصبحت القراءة نوعًا ما رفاهية بسبب واجباتهما ومتطلبات المذاكرة وساعات الدراسة وكانت الأجازة الأسبوعية بالكامل يمضونها في الخروج أو مشاهدة برامج الكارتون المختلفة.

كانت صدمتي مروعة حينما تطلبت امتحانات أولادي كتابة مواضيع تعبير باللغة الإنجليزية -وبعدها بعام أو أكثر بالعربية – فوجدت درجات ابني متدنية جدًا، ليس وحده بل كل الأمهات تعانين من نفس المشكلة بدرجات متفاوتة. لا خيال، لا مفردات، لا أفكار ولا جمل صحيحة!

قررت حينها وضع مواعيد ثابتة للقراءة الحرة بعيدًا عن كتب المدرسة خلال الأسبوع وفي الإجازة الأسبوعية مع إعطائهما حوافز ومكافآت.

في خلال شهور تغير الموقف تمامًا، أصبح طفليّ الكبيرين -يدرسان الآن في الصفين السادس والخامس الإبتدائي- يحبان هذا النشاط وتحسنت درجاتهما كثيرًا.

قرأنا الكثير من قصص الأطفال القصيرة المصورة وتلك يقرآنهما وحدهما ثم يحدثاني عنها ويتبادلا الكتب فيما بينهما، وقرأنا كذلك الكثير من الروايات ذات الفصول المتعددة والنادرة الصور. يحبان كثيرًا القصص التي تتضمن اختراعات أو أدوات غريبة أو كائنات عجيبة ولا يخافا التجريب في نوعيات أخر.

في كل مرة نبدأ قراءة طويلة أتساءل متى سيقولان لي «فليكفي هذا ودعينا نجرب رواية أخرى». لكن ذلك أبدًا لم يحدث حتى الآن، اكتشفت أنني أقلق بدون داع ولكنهما أكثر صبرًا مني، استمتعا بالكلاسيكيات بنفس القدر الذي به يستمتعان بقراءة هاري بوتر مثلًا.

الشيء الذي يقلقني فقط أغلب الوقت هو أسعار كتب الأطفال، وأقصد بهذا الروايات الطويلة المترجمة أو تلك بالإنجليزية وكذلك الأعمال الأدبية الصادرة عن دور نشر عربية فتلك تتميز دائمًا بالورق المصقول والإخراج المبهر والأفكار المتنوعة واللغة المحكمة، بعكس الكتب في مصر التي تنحصر موضوعاتها أغلب الوقت في الوعظ المباشر ويملانها بسرعة أو يتجنبانها أصلا وتكثر بها الأخطاء الإملائية والنحوية، وإخراجها عادي، وغالبا ما يكون المترجم من قصص الأطفال هي ترجمة لمسلسلات وأفلام كارتون وبعيدة عن عاداتنا وثقافتنا.

نعم تقلقني الأسعار جدًا وأدخر كثيرًا لمناسبة معرض الكتاب وانتظر تخفيضات المكتبات، وغالبًا ما يكون المعروض ليس بالكثير على مدار العام واعتمادي الكلي على معرض الكتاب.

• يسرا غازي: قارئة وأم لثلاثة أطفال ذكور، تقدم سلسلة مراجعات للكتاب من خلال قناة يوتيوب تحمل اسم (اقرأ مع يسرا).

**********

مغامرة دار نشر بدخول مجال أدب الاطفال، أعلى بكتير من مغامرتها بنشر كتاب علمي أو تخصصي مثلًا، يرجع ذلك إلى عدة أسباب:

أولًا: عامل التكلفة.

يحتاج أدب الأطفال إلى طباعة فاخرة (أربعة لون)، وإلا لن يكون جذابًا للطفل، وهذا النوع من الطباعة لن يجدى إقتصاديًا أو يعود بربح يستحق، إلا عند إصدار كميات كبيرة. هذا بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكاليف الرسم، وهذه مشكلة مشتركة مع الكوميكس.

ثانيًا: حدة المنافسة.

هنـاك دور متخصصة في أدب الأطفـال، بالإضافة إلى أخرى عملاقة تمتلك توكيلات أجنبية جبارة، والاتنين يقدمان منتجات بكميات كبيرة، وأسعار منخفضة، وجودة مبهرة.

ثالثا: وجود البديل الأرخص.

يمكن للدار تقديم منتج بسيط للأطفال (كتب تلوين، أو قصص تراث بصور من على الانترنت، بدون أن تتكلف أجر رسام أو طباعة عالية إلخ).

رابعًا: الحاجة إلى تقييم من نوع خاص.

نحن نتحدث عن أدب بمعايير تقييم مختلفة، يحتاج لجنة تحكيم مستقلة تتضمن أشخاص لهم خبرة او دراسة تربوية، وليست أدبية فقط. لا يصلح التقييم العادي أو قيام الناشر بنفسه.

روايات الأطفال حاليًا (وأي منتج أدبي أو فني يخص الطفل في العموم عمومًا) سيدخل منافسة غير متكافئة مع كل وسائل التسلية الحديثة المتاحة للطفل.. بما يُعرف بالفُرصة البديلة.. الروايات ستعافر مع (التابلت.. أم الإكس بوكس.. أم الإنترنت.. أم اليوتيوب.. وأم الجيمز.. أم الكرتون.. إلخ) كل هذه الوسائل تعدِّت مستوى الترفية ووصلت إلى الإدمان..

هناك أطفال أمام التابلت لمدة 12 ساعة في اليوم حرفيًا.. وهذا للأسف سبب تراجع مجلات الأطفال التي لم تعد تمتلك جاذبية كل تلك الوسائل. أما بالنسبة للكتب والقصص، نعيش على نوعين منها حاليًا.

الأول: إرث قديم مفتقد إلى المعايير التربوية الحديثة التي صارت أساسية في أدب الأطفال حاليًا، لا أحد يراعي أبسطها حتى على مستوى التصنيف المحتوى حسب الشريحة العمرية، فقد تفاجأ بقصة عن شخص يدس السم أو يقطع رأس آخر، ثم تجدها مصنفة لذوي الأربع سنوات.

بالإضافة إلى مترجمات بعضها غير مناسب للمعايير الحديثة، حيث أنها قديمة أيضًا، أو غير مناسبة للأخلاقيات ومعايير المجتمع.

الموضوع مأساوي فعلًا.

هناك مبادرات ممتازة رأيتها في المكتبة، تأتيني من بعض دور النشر الجديدة التي تخصصت في الأطفال. لكنها لا تلقى رواجًا، بسبب أسعارها المرتفعة جدًا. وبصراحة لا أستطيع لومهم لأنني أعلم كم تكلفة الرسام، وكم تكلفة الطباعة ألوان ديجيتال كوشيه، وكم تكلفة الخياطة التي تصير إجبارية بسبب حجم ونوعية الورق وطبيعة الطفل المستهدف.

• محمد الدواخلي: مؤلف وروائي ومترجم مصري، من مواليـد محافظة (القاهرة)، تخرج من كلية الصيـدلة عام 2003م، أحد مؤسسي دار نشر (فانتازيون). 

• نُشر التقرير السابق كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).