أزمة فقر المحتوى الموجه للطفل: (1) المجلات

لا يوجد اهتمام حقيقي بملف الطفل المصري، ورغم أن (DMC) لديها تردد لقناة أطفال، لكن أول شخص أعلنوا (على الورق) توليته مسئوليتها كان مدير البروموهات!! ولما سألت أحد مسئوليها قال لي بفخر «اشترينا محتوى حلو أوي»!

لم ترَ القناة إلى النور حتى الآن. (..) نحن لا نتقدم، بل نتراجع، لا يوجد أحد يرغب في الاستماع. أغلب الوعود براقة لكنها لا تنفذ، وعندما تتوفر إرادة، لا نجد إدارة جيدة تسمح لها بالخروج إلى حيز التنفيذ. هذا الملف أمن قومي.

• محمد فتحي

**********

(نتقدم، كلما رجعنا إلى الوراء). تبدو العبارة منطبقة كأكثر ما يكون على كافة أشكال (المحتوى المقدم للأطفال)،  ومنها (المجلات). حيث توقف خلال السنوات الأخيرة عدد منها مثل (باسم)، بينما تحول البعض الآخر من أسبوعية إلى شهرية، نتيجة ضعف الإمكانيات.

من ناحيتي –شخصيًا- لطالما أدمنت شراء عدد السبت من (أخبار اليوم)، لا لشيء إلا لاحتواءه على ملحق يُدعى (صبيان وبنات)، كان يتكون من موضوعات جذابة، تنتهي بصفحة كوميكس ملون من كتابة أقلام مثل: (نبيل فاروق)، (أحمد خالد توفيق)، (مجدي صابر)،  بريشة فنانين كـ (فواز) و(معلوف).

عاصرت أيضًا بدء هبوط المنحنى، وتخفيض عدد صفحات الملحق تدريجيًا، حتى توقف في النهاية.

إذا استقصينا عينة عشوائية من جيل الثمانينيات والتسعينيات، ستجد نسبة لا بأس بها منهم تتحدث عن مدى الرواج والتأثير الذي أحدثته مجلات الأطفال في صغرهم. تابعت دردشة مؤلفي ذاك الجيل عن بداياتهم في الكتابة، وكيفية حصولهم على الدفعة المعنوية الأولى في هذا الاتجاه، ففوجئت باتفاق بعضهم على: إرجاع الفضل إلى مطبوعات مثل (سمير) و(علاء الدين) وغيرها، التي نشرت لهم باستمرار، منحتهم كارنيه أصفر (لا يزال عدد منهم محتفظًا به إلى الآن) يحمل –بجوار الاسم- صفة (مراسل مجلة كذا).

من الأبناء البارزين لذاك الجيل:

– (مصطفى كمال)، مؤسس مكتبة (ومضة) بأسيوط، مؤلف كتابيّ (لهذا كن متفائلًا) و(متعة القراءة).

– (محمد فتحي): حاصل على جائزة (ساويرس) الأدبيـة عام 2010م، عن مجموعته (بجـوار رجـل أعرفه)، بالإضافة إلى رصيد ممتد كـ (مؤلف ساخر، كاتب مقال، معد برامج). هكذا لا نتعجب من اهتمام د. (فتحي) المستمر بملف (الأطفال) عمومًا، وإحباطه من تراجع الاهتمام بالمحتوى المقدم إليهم. نشر مؤخرًا –على سبيل المثال- سردًا مفصلًا عن متن العدد الأول من مجلة (علاء الدين)، الصادر عام 1993م، برئاسة تحرير عزت السعدني صاحب تحقيق السبت الشهير –بحسب تعبير فتحي- (اللي كان بيوقف مصر على رجل)، برفقة أسرة تحرير:

– قصة صفحة 3 لـ (جار النبي الحلو)، والقصة الرئيسية للمنسي قنديل العظيم مبتكر شخصية علاء الدين مع الرسام -الذي لم ينل التكريم المستحق- وليد نايف. أستاذنا النبيل محمد المخزنجي كان يكتب (حكايات صغيرة)، اشتمل العدد أيضًا على حوار مبسط مع نجيب محفوظ بجلالة قدره، علاوة على رواية مسلسلة بقلم بابا شارو برسومات عفت حسني. قصائد عن الحروف الأبجدية من إبداع عم سمير عبد الباقي وريشـة العظيـم (حجــازي)، مع تنـويـه بعنـوان (اسألوا الخطيب) يعلن عن حوار مرتقب مع بيبو.

قارن (فتحي) بين هذا كله، وبين محتوى الإصدار الأخير من نفس المجلة.. رقم (1000)، الذي تضمن مقال بالعامية لرئيسة التحرير الحالية، احتوى على عبارات تلمح –والكلام لا يزال على لسان د. (فتحي)- إلى أسباب تتعلق بالميزانية ومحدودية الموارد، أدت إلى عجز المجلة عن استقدام مؤلفين كبار للمشاركة في هذا العدد الاحتفالي (حتى من بين مؤسسي علاء الدين ذاتهم)!

**********

حرصًا على استطلاع جوانب مختلفة من الصورة، استطلعنا رأي (ولاء يوسف) التي انضمت إلى مجلة (علاء الدين) منذ عشرين عامًا، أي عاصرت جميع رؤساء تحريرها، بما حوته تلك الفترات من صعود ثم هبوط.

شرحت المحررة أوجه من مجهوداتهم ومحاولاتهم حاليًا، على غرار: نزول فريق المجلة إلى المدارس لتدشين مسابقات، دعوة الأطفال إلى ورش مجانية في مجالات مختلفة تقام داخل المقر. أثمرت تلك المجهودات في النهاية عن نفاد الطبعة الأولى والثانية من بعض أعداد المجلة، وأحيانًا الثالثة. إلا أن التحديات التي يواجهونها أكبر.

استفاضت (يوسف) أكثر في هذا الصدد، قائلة:

– ليست فقط مادية مثل أى مؤسسة صحفية، وإنما أيضًا تحديات محتوى.. فالتعامل مع الأطفال يعد تخصصًا دقيقًا للغاية. نحن نواجه تحد أكبر وهو تحد الأجيال.. المجلة عندما صدرت كانت موجهة لجيل الثمانينات والتسعينيات، أما جيل هذه الايام يصعب جدًا جذبه من أمام شاشات الانبهار لكى يقرأ قصة أو تجد محتوى يلفت انتباهه.. نحن في المجلة نحاول بشتى الطرق وبكل إمكانياتنا إن نعمل ع اجتذاب القارئ الصغير ولفت انتباهه، وبرغم التحول الالكترونى لكثير من المطبوعات الورقية إلا أننا نجاهد للبقاء فى الساحة.

في النهاية، اتفقت (ولاء يوسف) مع د. (فتحي) في الحاجة إلى مؤسسة ضخمة أو استحداث وزارة جديدة مثلًا راعية للطفولة وشئونها وكل مشتملاتها.

************

ألقت د. (نهى عباس) الضوء على معاناة (الكوميكس) و(مجلات الأطفال) ككل، فوصفتها بـ..:

– ضئيلة العدد نسبةً إلى عدد السكان، بالإضافة إلى تحول معظم مجلات الأطفال من أسبوعية إلى شهرية، ويعود هذا إلى تكلفة الكوميكس المرتفعة وتكلفة ورق الطباعة.

ترأس د. (نهى) تحـرير مجلـة الأطفـال (نـور) منـذ صدور عددها الأول في نوفمبر 2015م، تُرجمت الدورية لاحقًا إلى الإنجليزية والفرنسية والملايو.

بل انضمت إليهم أيضًا لغة البشتو، بعد أن طلبت (باكستان) بدورها بعض الأعداد.

كمحاولة للتواصل مع الأطفال من خلال وسائطهم الحديثة: دشنت المجلة تطبيقًا إليكترونيًا يتيح أعدادًا من المجلة بلغات مختلفة، كما أذاعت في شهر رمضان 2018م مسلسل الرسوم المتحركة:

– (نور.. وبوابة التاريخ).

يتمحور حول مواضيع تاريخية لا تخلو من لمسة خيال علمي، بطلها الطفل (نور) الذي يسافر بواسطـة آلة زمن، يلتقـي باقــة من أبـرز علمـاء الحضارة الإسلامية.

♦ نرشح لك أيضًا: أزمة المحتوى الموجه للطفل: (2) الأدب والكتب.

ربما لم تكن (نور) لتقطع كل تلك الخطوات المتنوعة، لولا صدورها برعاية الرابطة العالمية لخريجي الأزهر، بالإضافة إلى دعم أكثر من جهة حكومية. إلا أن هذا لم يمنع د. (نهى عباس) من الانشغال بالهموم التي تواجه الصناعة مُجملًا، شرحت جانبًا منها:

– لا توجـد مجلة أطفـال تحقـق ربـح من خـلال بيع الأعداد، وذلك لأن المجلة يجب أن تكون دائمًا في متناول يد القارئ الصغير. ومع عزوف المعلنين عن الإعلان في مجلات الأطفال لتفضيلهم الإعلان في الميديا المرئية كالتليفزيون ومواقع التواصل الاجتماعي. نستطيع أن نتأكد أن مجلة الأطفال المصورة هي في معظم الأحيان مدعومة من قبل المؤسسات بهدف تقديم ثقافة للأطفال، من ما سبق يتضـح لنا أن الكوميكـس للأطفـال مشـروع غير مجدي ماديًا بالنسبة لدور النشر.

***********

• نُشر التقرير السابق كأحد فصول الكتاب الإلكتروني (خياليون جدد).

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).