الإثنين , سبتمبر 16 2019

رواية (أرض النفاق): رحلة لتعرية النفس البشرية

كتب: علاء عادل القوني.

هل بِوسع الإنسان أن يري عيوبه بعد أن يَتجردَ ممّا يسترها؟

أرض النفاق للكاتب يوسف السباعي هي أول رحلتي معه.. لا أري أن وصفها بالرواية مناسب فالكاتب نفسه لم يطلق عليها رواية بل قال عنها كتاب.. وقد يكون ذلك لأن في الأربعينات من القرن الماضي لم تكن الرواية مثل ما هي عليه في يومنا هذا.

المهم أن نتفق أولًا.. الرواية صدرت عام 1947م.. منذ أكثر من 71 عامًا، هل تغير في مجتمعنا شيء مما تناقشه الرواية حتي الآن؟ أبدًا، الرواية تنطبق بحذافيرها علي واقعنا اليوم.. الإنسان هو الإنسان، ولا أظن التغيير بالأمر البسيط.

هذه قصة النفاق والمنافقين وأرض النفاق كما يقول الكاتب.. تدور أحداث القصة حول بطل يكتشف محلًا لبيع الأخلاق، هل تُباع الأخلاق؟

اشتري منه الشجاعة أولًا، لكن ما قيمة أن تكون شجاعًا وسط مجتمع جبان وكل من فيه جبناء قانعين بالذل راضين به؟ أن تكون شاذًا عن الجميع ولو كانوا علي خطأ فأنت المخطئ في نظرهم بالطبع.. ذاق البطل ويلات شجاعته.

بدّل الشجاعة بالمروءة.. . فجلبت عليه الأخيرة المصائبَ واتُهم بالجنون.

هذا لأنه شذّ عن المجتمع.. فماذا لو تحلي المجتمع كله بالأخلاق؟

هذا ما حدث، وكانت المصيبة أشد.. لأن النفاق ببساطة يعتري كلّ ذرةٍ في كيان مجتمعنا، أتريد أن تنزع عنه النفاق بكل سهولة؟ حسنًا ولكن لن تسعد ألبتة بحقيقته، فكما يقول الكاتب:  

– حيا الله النفاق.. لقد كان يستر خبائثهم، ويحجب شرورهم.

الحقيقة أن كلنا ننافق ولو بقدر ضئيل.. والكاتب يختم الكتاب بقوله:

– من كان منكم بلا نفاق فليرجمني بحجر.

هل العبرة بالكفاءة؟ بالجدّ؟ بالصدق؟ بالإخلاص؟

المفترض أن تكون الإجابة نعم، ولكن في بلادنا الإجابة بكل صدق لا يا صديقي.

فكرة الرواية فانتازية جميلة؛ تناقش قضية اجتماعية هامة وتصف لعبة السياسة علي حقيقتها.. كلها من خيال الكاتب ولكن كلها تنطبق علي الواقع كذلك، فهي خيالية لدرجة الواقعية!

قد تبدو الرواية بسيطة، وهي كذلك؛ ولكنها تضعك أمام الحقيقة، وهنا يكمن جمالها.

أسلوب الكاتب بسيط، وساخر جدًا كما يتسم بالتحليل العميق للأحداث.. وهنا يتضح أن السباعي لا يكتب لكي يُقرأ له، بل يكتب ليتحدث إلي القارئ لا أكثر في جلسة بين صديق وصديقه.

ظهر ذلك واضحًا من بداية الرواية لنهايتها. لكن السرد به كثير من الوعظ المباشر والخطب، وهذا لا ينبغي أن يكون في الرواية بالطبع..

رغم أن الكاتب في البداية قال أنه لا يُحبّ الوعظ وإلقاء الخطب إلا أنه وقع في ذلك الخطأ.. الخطب مكانها ليس في الروايات. قيمة الرواية في أن تجعلني أفكر فيمّا ترمي إليه لا في أن تقدمه إليّ بشكل مباشر.

اللغة جمالها يكمن في بساطتها ومزج الفصحي بالعامية في بعض المواضع بما يناسب المشهد المُصَوَّر، وفي انتزاع بعض الصور والألفاظ من القرآن الكريم والتراث القديم ، والاستشهاد ببعض أبيات الشعر كذلك.

أيضًا الإهداء في البداية كان جيدًا ومُلفتًا للنظر؛ فالكاتب أهدي كتابه إلي نفسه بشجاعة.. أمرٌ غريب، ومُميّز.

كمّا تمّ تحويل الرواية إلي فيلم سينمائي يحمل الاسم ذاته عام 1968م، لعب بطولته الفنان  فؤاد المهندس، لكنه لم يُحقق نسبة نجاح عالية أمام شَبابيك التذاكر وقتذاك، حتي تمّ عرضه تلفزيونيًا وصار واحدًا من دُرر الكلاسيكيات التي لا تزال موضع اهتمام وإعجاب الكثير من المشاهدين إلي الآن.

أختم باقتباسين:

–  هذا الشعب لا بُدّ أن يكون أحد اثنين.. إما شعب يكره نفسه لأنه – رغم ما يشيعون عنه بأنه مصدر السلطات – يأبي أن يصلح حاله ويعالج مصابه ويزيل عن نفسه ذلك القيد الثقيل من الفقر.. والجهل.. والمرض، وإما أنه شعب زاهد، قد تعود ذلك البؤس الذي يرتع فيه والحرمان الذي يأخذ بخناقه.

–  يا أهل النفاق! تلك هي أرضكم.. وذلك هو غرسكم.. ما فعلت سوي أن طفت بها وعرضت علي سبيل العينة بعض ما بها.. فإن رأيتموه قبيحًا مشوهًا.. فلا تلوموني بل لوموا أنفسكم.. لوموا الأصل ولا تلوموا المرآة! أيها المنافقون هذه قصتكم، ومن كان منكم بلا نفاق فليرجمني بحجر!

عن لأبعد مدى