حوار مع مؤلف (الشيطان يحكي)

سأحكي لك القصة.. هي طويلة نوعًا ما.. هي حكاية غريبة جدًا لم أفهمها حتى الآن.. واسمحوا لي أن أتطفل على أوقاتكم و أتلوها عليكم.. لربما فهمها أحدكم.. ربما لطالما كنت كاتبًا مغمورًا.. كنت أكتب قصصا قصيرة مرعبة قبل ظهور الفيس بوك بعدة سنوات..

أكتبها في منتدى يدعي “طريق الموت”، الذي كان أول تجمع عربي لمحبي الرعب على الإنترنت.. كان اسم الحكايات هو “حكايات زورك نيميسيس”.. وبالمناسبة فقد جمعت قصصي القصيرة كلها قبل بضعة شهور ووضعتها في صفحة خاصة على الفيس بوك وسميتها باسم جديد هو سلسلة الشيطان يحكي ربما تكونوا قد سمعتم بها.

لسبب ما كانت قصصي القصيرة المرعبة هذه تنتشر فور أن أكتبها.. تنتشر في كل المنتديات والمدونات العربية كالسم.. كان الأمر يعجبني.. فرغم أن هؤلاء المئات ينقلونها بدون استئذان وينسبونها لأنفسهم إلا أن نقلهم لها بهذه الحماسة يعني أنها قد أعجبتهم.. كل هذا كان جميلًا.. حتي جاء اليوم الذي كتبت فيه حكاية جديدة.. حكاية أنتيخريستوس.

انتقلت الحكاية كالعادة في نفس يوم نزولها إلى كثير من المنتديات العربية.. في اليوم التالي مباشرة حدث شيء عجيب.. سقط منتدى طريق الموت.. انهدم عن بكرة أبيه كأن لم يكن.. ماحيًا معه آلاف الذكريات و المواضيع و القصص.. ماحيا معه حكاياتي كلها فيه.. وماحيًا معه أنتيخريستوس.

بسبب إهمالي المعهود لم أكن أحتفظ بنسخ من قصصي القصيرة هذه على جهازي.. و فورًا بدأت أبحث عن قصصي التعيسة في جوجل أصبحت أدخل إلى المنتديات الكثيرة التي نقلتها و أنسخها وأحتفظ بها في جهازي.. 26 قصة هي كل ما كتبت.. وقد استرددتها كلها عدا واحدة.. حكاية أنتيخريستوس.

كنت أرى نتائج كثيرة لحكاية أنتيخريستوس في جوجل.. لكن كلما أدخل على أي من هذه النتائج، إما أن أجد المنتدى مغلق..أو الموضوع محذوف.. أو المدونة انهارت.. أو أي شيء لعين يمنعني أن أرى القصة.. وقد حاولت بكل الطرق لكني فشلت تمامًا في أن أحصل على الحكاية الملعونة.

كانت لدي عادة هي أنني لما أكتب قصة جديدة أرسلها بالإيميل إلى عدد معين من أصدقائي.. فور تذكري لهذا الأمر دخلت الإيميل على الفور وبحثت في الرسائل المرسلة.. وقد وجدت كل القصص التي كتبتها موجودة ومرسلة إلى أصدقائي بشكل دوري جميل.. لكنني لم أجد حكاية أنتيخريستوس.. هذا فوق مستوي المصادفة.

اتصلت بأصدقائي لأعرف لو كانت الحكاية قد وصلتهم.. فأفادوا جميعا أنهم لم يسمعوا بهذا الاسم من قبل و ليس في إيميلاتهم أي أنتيخريستوسات.. وأن على أن أكف عن مضايقتهم بقصصي السخيفة لأن الحال قد زاد.

لقد انمحت حكاية أنتيخريستوس عن الوجود تمامًا بشكل مستفز ومتعمد.. بين ليلة و ضحاها لم تعد موجودة في أي مكان .

إن حكاية أنتيخريستوس كانت تحكي عن شيء ما خطر في ذهني فجأة وبدأ يكبر حتي اتسعت له عيناي في الرعب.. وفورا وضعت الفكرة في هيئة قصة قصيرة ونشرتها.. كانت القصة تكشف سرًا ما.. وبعد أن انمحت عن الوجود بهذه القسوة عرفت تمامًا أن هذا الشيء الذي خطر في ذهني كان صحيحًا.. صحيحا لدرجة أنه لا يجب أن يظهر هكذا علانية أمام الملأ .

ولما جاءت لي فرصة النشر الورقي أخيرًا، لم أفكر كثيرا في فكرة لروايتي الأولي.. أنتيخريستوس ستكون هي روايتي.. رغما عن أنوف الجميع.. ولتحترق جميع المعابد على رؤوس أصحابها.

إن رواية أنتيخريستوس هي من الروايات التي أعرف جيدًا أنها غير مرحب بها في سوق النشر.. مثلها مثل كل الكتب الخطرة التي لم يرحب بها السوق لما نزلت مثل بروتوكولات حكماء صهيون.. وأحجار على رقعة الشطرنج لويليام جاي كار وغيرها.

لكني أظن أن الحرب التي اندلعت في وجه تلك الكتب الخطرة كانت في الماضي السحيق.. أيام كانت الأسرار يمكن أن تختبيء.. لكن الآن في عصرنا هذا يمكن لأي طفل أن يحصل على هذه الكتب ببحث سريع في جوجل.. لم يعد شيء يقدر أن يختبيء في هذا العصر.. ولهذا كان هذا العصر هو أنسب عصر لهذه الرواية.. رواية أنتيخريستوس.

*******

من حوار مع مؤلف (أنتيخريستوس)، نشر في مجلة (ومضات)، الصادرة عن (لأبعد مدى) عام 2015، والذي بدأ بترك المساحة للمؤلف كي يعرفنا عن نفسه بنفسه، فيقول:

كاتب يود أن يكتب شيئًا مختلفًا.. أفكارًا لم تطرح من قبل.. أحداثًا لم يتعرض لها أحد من قبل.. أنواعًا جديدة من حكاية القصة لم تطرح من قبل ربما.. وهكذا.

■ أول محاولات الكتابة؟

في ثالثة ابتدائي.. كتبت قصة على طريقة كوميكس ميكي في كراسة مدرسية 80 ورقة.. ثم في المرحلة الإعدادية كتبت رواية خيال علمي كاملة.. كل هذا لم يكن معلنًا.. كان فقط بيني وبين إخوتي أو المقربين مني.. في الجامعة بدأت في الكتابة المعلنة على النت.. بالقصص القصيرة المرعبة التي اشتهرت.

■ وفي تلك البدايات المعلنة، هل شعرت أنك نجحت تمامًا في أن تكون د.أحمد خالد مصطفى، وليس تكرارًا لد.أحمد خالد توفيق؟

هذه البدايات كانت عبارة عن قصص قصيرة مرعبة.. كتبت نصفها في أول سنين الجامعة.. هذه كانت فيها تشابه كبير مع دكتور أحمد.. النصف الآخر من القصص كتبته بعد الجامعة.. وهذا نجحت فيه في أن أفلت بشكل كبير من تأثير الدكتور.. ثم في رواية أنتيخريستوس انسلخت تماما عن تأثيره.

■ أقرب قصص (الشيطان يحكي) لقلبك وشعرت أنها تعبر عنك؟

حكاية الفتي الأشقر.. لأنها تجربة شخصية حقيقية مررت بها فقدت فيها صديقا عزيزًا.. بكيت حتى غسلت الدموع وجهي وأنا أكتبها.

■ الأعمال الأدبية المؤثرة:

رجل المستحيل ربى فيّ قيمًا شديدة الأهمية.. ملف المستقبل أمسك بخيالي ووسعه حتى لم يعد له حدود.. ماوراء الطبيعة ربى في حسًا أدبيًا وربى في حب الاختلاف.. مصطفي محمود علمني الفكر وربط الدين بالعلم.. ثم انجهت لقراءة السيرة وكتب الحديث فتعلمت منها الأدب الحقيقي.

■ هل هناك فرصة أن يتحول (الشيطان يحكي) إلى عمل مطبوع ذات يوم؟

ربما سيتحول لعمل مطبوع وينزل في معرض الكتاب القادم.

■ وكم استغرقك العمل على كتباتها؟

ستة أشهر متواصلة بمعدل 12 ساعة كل يوم.. احتاجت مني جهدً رهيبًا حقًا .

■ أي أجزاءها الثلاثة عشر استغرق منك مجهود أكثر؟

الجزء الخاص بسقوط الدولة العثمانية واحتلال فلسطين.. كان متعبا جدًا جدًا حتي فكرت بسببه ألا أكمل هذا الهم، وألغي مشروع الرواية .

■ ما الذي فكرت فيه كمغزى أساسي من الرواية، بينما تجمع شتات قصاصات متناقضة مثل (مُلك سيدنا سليمان– فرقة الحشاشين – تاريخ الماسونية – الثورة الفرنسية- نشأة الولايات المتحدة- إلخ)؟

المغزى الأساسي والوحيد هو تعريف الناس بالعدو الحقيقي لنا.. حتي نكف عن ضرب بعضنا البعض طيلة الوقت ونحن أبناء الدين الواحد.. واللغة الواحدة والوطن الواحد والحلم الواحد.. نكف عن ضرب بعضنا بغباء ونلتفت للعدو الحقيقي.. المغزى من هذه الرواية هو إثبات أن هذا العدو هو الحقيقي فعلًا.. المغزى هو كفوا عن تضييع أوقاتكم في الانقسام وكفاكم غباء وتوحدوا.

■ نظرية (المؤامرة)؟

أنتيخريستوس وجدت حتي تعرف الناس ما هو مؤامرة فعلًا وما هو مبالغات غبية نسمعها طيلة الوقت أصدرها المتآمرون أنفسهم لتسفيه الموضوع حتى يغض الناس الطرف عنه.. وقد نجحوا في هذا.. لكن الحقائق التاريخية لا تكذب.. فأنتيخريستوس تكشف الحقيقي من المزيف في نظرية المؤامرة وتحل هذا اللبس.

أطلب من الله وحده أن تصل الرواية لعدد مهول من الناس حتي تصل رسالتي لأكبر عدد.. حتي لو وصلت مضروبة أوPDF .. المهم أنها تصل.

■ عنوان الرواية:

بالنسبة لاختيار الاسم الغريب فله سبب مهم.. المفترض أن من يقرأ الرواية لا يعرف أنها تتحدث عن المسيح الدجال إلا في الفصل الأخير منها.. ويظل يتساءل طيلة الرواية عن ماهية أنتيخريستوس هذا.. لذلك تعمدت اختيار اسم مبهم لا يعرف المرء منه المعنى .

■ قلت أن أول تجاربك الروائية قاطبة، كان تنتمي إلى الخيال العلمي، فهل أن تعود إليه مرة أخرى؟

بالنسبة لتجربة الكتابة في الخيال العلمي أو البوليسي فهي موجودة ضمن مخططاتي طبعًا.. ليس مخططي أن ألتزم بالرعب.

كان هذا فقط في سلسلة القصص القصيرة.. لكن هذا انتهي في أنتيخريستوس حيث هي لا تعتبر رواية رعب.. وسيستمر في التجارب القادمة.. لكني أحب إدخال مشاهد مرعبة هنا و هناك في أي رواية.. لكن ليس أن تكون الرواية كلها رعب.

■ يتحدث البعض عن قاعدة (كاتب ناجح)= كاتب متواجد في القاهرة، له علاقات مباشرة، ويجري الكثير من حفلات التوقيع، هل تعتبر أن نجاح عملك الأول كسر هذه القاعدة، أم توجد مشكلات وعراقيل أخري تقف حاجزًا أمام الكاتب المغترب؟ باختصار ما الذي تفتقده، وأنت هناك في السعودية؟

بالنسبة للكاتب صاحب العلاقات فلو كان ضعيفًا، سينجح أول مرة لكنه سيموت سريعًا.. بالنسبة للكاتب المغترب فأكبر شيء يفتقده هو حفلات التوقيع ومتابعة سير كتابه في السوق.. أنا مثلًا لا أدري شيئًا عن أنتيخريستوس شيئًا إلا رقم الطبعة الحالية منها.

■ المشروع القادم:

عملي القادم لو تحدثت عنه بكلمة أفسدت المفاجأة التي أعتمد عليها جدًا.. لكن يمكن أن أقول أنه عن أشياء لم يسبق لأحد التحدث فيها معروضة بطريقة لم يسبق لأحد تجربتها من قبل.. و سيكون معتمدًا على أحداث و شخصيات واقعية تمامًا

عن ياسين أحمد سعيد

مؤسس ورئيس تحرير (لأبعد مدى).